Page 42 - محاضرات في الافلام التسجيلية والوثائقية
P. 42
الأفلام التسجيلية والوثائقية
الواقع لا يناقض الواقعية ،ولا يقلل من حقيقة الوقائع المختارة ،ولكنه بالتأكيد ليس النسخة
الوحيدة عن الحقيقة ،بل هو أحد النسخ وحسب.
ثانيا :على أن لكل فيلم وثائقيا كان أم روائيا خياليا ،أع ارف (تقاليد) وابتكا ارت متضمنة في
مستويات بنائه المتنوعة ،ويضم في ثناياه عددا من الإحالات الخفية ،التي تهمس للمشاهد كيفية
الفهم ،وفي أي مستوى ،فالواقعي والخيالي ،متَعُّددي المعاني وينطويان على تضارب بين ما
ُيعرض ويقال مباشرة ،وبين ما يتوجب فهمه ورؤيته.
ثالثا :على تعدد أشكال الأفلام الوثائقية وأساليب معالجتها للواقع ،ولذلك اعترفوا :أنه عند
التعامل مع الحقيقة في الأفلام الوثائقية ،لابد من تغيير طفيف في هذه الحقيقة بما يتوافق مع
الإخ ارج والصياغة الفنية ،حيث تختار" منها ونعطيها صيغة معينة وشكلا فنيا ما".
لهذا ،فالجواب على السؤال البسيط بخصوص سمات مستجدة للأفلام الوثائقية ُمعَّقد ،لأَ َّن كل ما
يدخ ُل ضمن نطاق عاداتنا ومنه) اللغة ،وكل ما هو يقيني (ومنه المرئي) ،قد طَّوَر منظومات
مركبة ومعقدة للإد ارك والتفريق والحكم ،نمارسها بلا ،وعي لنبدأ بما يس ّمى عملية صياغة
السياق.
ويبقى السؤال الجوهري هنا :أي من العلامات نلتقطها في مجرى سياق الفيلم ،تُمّكننا من
التمييز بين الفيلم الوثائقي (الواقعي) والفيلم الروائي (الخيالي)؟ حيث من غير المنهجي ،البحث
عن خصائص أسلوبية مطلقة للفيلم الوثائقي ،وحصرها بالتعليق أو المقابلة ،أو حتى ب ازوية نظر
الكامي ار ،ذلك لأن هناك العديد من الأفلام المعاصرة التي تقوم بتقديم موضوع (قصة) خيالية،
وتلبسها لبوس الفيلم الوثائقي (وهو ما يحصل غالبا في أفلام الريبورتاجات) ،أي تقديم شيء
ُمصّنع أو أُعيد بناؤه واختلاقه على أنه الواقع ،أو تصويره مجددا على أنه صورة من الأرشيف،
أو تصنيعه رقميا (فوتوشوب) ،وتقديمه على أن تصويره جرى في مسرح أحداثه الواقعية.
33