Page 21 - محاضرات في الافلام التسجيلية والوثائقية
P. 21
الأفلام التسجيلية والوثائقية
وهو اتجاه دفع "ريتشارد ماكان إلى القول" :إن أصالة الفيلم الوثائقي وقيمته ،لا تنبع من اعتماده
على مادة من الواقع فقط ،بقدر ما ترجع إلى أصالة وتوثيق هذه المادة الواقعية ،بمعنى أن
الوثيقة هي الأهم عندما تعبر بصدق عن الواقع".
وهو أري يتفق مع وجهة نظر "جريرسون" التي أشرت لها فيما سبق ،في أن التعامل مع الحقيقة
في أي نوع من الأفلام ،يفرض تغيي ار طفيفا في هذه الحقيقة من جهة ،بما يتوافق مع الصياغة
الفنية للمخرج وأسلوبيته ،شرط أن تكون الأحداث أو المعلومات التي تدرج في الفيلم الوثائقي
حقيقية غير مزيفة ،أو مصطنعة ،من جهة أخرى.
وهذا يعني ،أن الفيلم الوثائقي يصنف ضمن الأفلام الحقيقية أي أنه ،nonfictionبخلاف
الأفلام الد ارمية ( narrativeالروائية) ،التي تصنف على أنها fictionأي أنها مبنية على
الخيال أساسا ،أو على قصص واقعية ولكن بمعالجة وسياقات مصطنعة.
ولذلك ،فالفيلم حتى ولو كانت قضيته حقيقية ،وشخوصه حقيقية ،ولكن تم توجيههم في
(سياقات) مفتعلة (لا تعكس حياتهم ،فهذا يعني أنها (مصطنعة) ولا تمثل الواقعية ،وهذا يعني أنه
لكي يكون الفيلم وثائقيا ،يجب أن يتناول (أشخاص) حقيقين ،و(قضايا حقيقية ،في (سياق)
حقيقي ،لإيصال رسالة محددة.
وعلى سبيل المثال ،ولتقريب الصورة أكثر ،لو أردنا تناول ظاهرة البطالة في الوطن العربي وأثرها
على الاستق ارر السياسي ،وكانت القضية واضحة ،ولدينا تفصيلات كثيرة عنها ،وتابعنا مسار
حياة عدة عاطلين عن العمل في عدة بلدان عربية ،ووجدنا خب ارء يمكنهم إث ارء الفيلم بوجهات
نظرهم ،ولكن لأسباب ما ،قمنا بتغيير مسار إجابات العاطلين عن العمل ،للتوافق مع أجندة
سياسية معينة ،في هذه الحالة ..يصبح هذا المسار (مفتعل مختلق مصطنع) لا يعكس حقيقة
حياة هؤلاء العاطلين ..وبالتالي لا يعد فيلما وثائقيا؛ لأنه لا يمثل سياقا حقيقيا.
وعليه ،وبالاستناد للمعيارين الذاتي والموضوعي ،عرف الباحث السينمائي " مروان ياسين
الدليمي" الفيلم الوثائقي ،بأنه الفيلم الذي يعتمد على تصوير أحداث الواقع المباشر الذي يجعل
منه كاتب الفيلم موضوعا أو قصة ،وأبطاله هم شخصيات واقعية حقيقية ،وحواره عبارة عن
تعليق خارجي على الأحداث ،أو تعليق مع إج ارء حوا ارت تلقائية يتم تسجيلها مباشرة مع
13