Page 61 - رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
P. 61

‫‪ www.islamicbulletin.com‬رﺟﺎل ﺣﻮل اﻟﺮﺳﻮل ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ وﺳﻠﻢ‬

         ‫ويبدو أن معاذ كان يمتلك عقلا أحسن تدريبه‪ ،‬ومنطقا آسرا مقنعا‪ ،‬ينساب في ھدوء واحاطة‪..‬‬

                     ‫فحيثما نلتقي به من خلال الروايات التاريخية عنه‪ ،‬نجده كما أسلفنا واسط العقد‪..‬‬
           ‫فھو دائما جالس والناس حوله‪ ..‬وھو صموت‪ ،‬لا يتحدث الا على شوق الجالسين الى حديثه‪..‬‬

                                         ‫واذا اختلف الجالسون في أمر‪ ،‬أعادوه الى معاذ لبفصل فيه‪..‬‬
                                                            ‫فاذا تكلم‪ ،‬كان كما وصفه أحد معاصريه‪:‬‬
                                                               ‫" كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ"‪..‬‬

‫ولقد بلغ كل ھذه المنزلة في علمه‪ ،‬وفي اجلال المسلمين له‪ ،‬أيام الرسول وبعد مماته‪ ،‬وھو شاب‪ ..‬فلقد‬
                                  ‫مات معاذ في خلافة عمر ولم يجاوز من العمر ثلاثا وثلاثين سنة‪!!..‬‬
                                                            ‫وكان معاذ سمح اليد‪ ،‬والنفس‪ ،‬والخلق‪..‬‬

                       ‫فلا يسأل عن شيء الا أعطاه جزلان مغتبطا‪..‬ولقد ذھب جوده وسخاؤه بكل ماله‪.‬‬
‫ومات الرسول صلى ﷲ عليه وسلم‪ ،‬ومعاذ باليمن منذ وجھه النبي اليھا يعلم المسلمين ويفقھھم في‬

                                                                                            ‫الدين‪..‬‬

‫وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن‪ ،‬وكان عمر قد علم أن معاذا أثرى‪ ..‬فاقترح على الخليفة أبي‬
                                                                     ‫بكر أن يشاطره ثروته وماله‪!..‬‬

                                   ‫ولم ينتظر عمر‪ ،‬بل نھض مسرعا الى دار معاذ وألقى عليه مقالته‪..‬‬

‫كان معاذ ظاھر الكف‪ ،‬طاھر الذمة‪ ،‬ولئن كان قد أثري‪ ،‬فانه لم يكتسب اثما‪ ،‬ولم يقترف شبھة‪ ،‬ومن ثم‬
                                                              ‫فقد رفض عرض عمر‪ ،‬وناقشه رأيه‪..‬‬
                                                                            ‫وتركه عمر وانصرف‪..‬‬

                                           ‫وفي الغداة‪ ،‬كان معاذ يطوي الأرض حثيثا شطر دار عمر‪..‬‬
                                             ‫ولا يكاد يلقاه‪ ..‬حتى يعنقه ودموعه تسبق كلماته وتقول‪:‬‬

‫" لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حومة ماء‪ ،‬أخشى على نفسي الغرق‪ ..‬حتى جئت وخلصتني يا‬
                                                                                           ‫عمر"‪..‬‬

          ‫وذھبا معا الى أبي بكر‪ ..‬وطلب اليه معاذ أن يشاطره ماله‪ ،‬فقال أبو بكر‪ ":‬لا آخذ منك شيئا"‪..‬‬
                                                      ‫فنظر عمر الى معاذ وقال‪ ":‬الآن ح ّل وطاب"‪..‬‬

                           ‫ما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درھما واحدا‪ ،‬لو علم أنه أخذه بغير حق‪..‬‬
                                                       ‫وما كان عمر متجنيا على معاذ بتھمة أو ظن‪..‬‬

‫وانما ھو عصر المثل كان يزخر بقوم يتسابقون الى ذرى الكمال الميسور‪ ،‬فمنھم الطائر المحلق‪ ،‬ومنھم‬
                                   ‫المھرول‪ ،‬ومنھم المقتصد‪ ..‬ولكنھم جميعا في قافلة الخير سائرون‪.‬‬

                                               ‫**‬

                                                                ‫‪61‬‬
   56   57   58   59   60   61   62   63   64   65   66