Page 49 - ميريت الثقافية- العدد رقم 22 أكتوبر 2020
P. 49
47 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
وكما يوهم نجاح الإيقاع إذا بنجاح الأثر الفني محاكاتها واستنساخها ،لذلك كان ثمة دائ ًما هذا
حين يتقن الفنان في أي مجال فني ترويض حدسه اللجوء إلى التشبيه والتداعيات المغرقة في المقارنات،
وتشكيله وفق معايير مضبوطة المقاييس ،صارمة وهي تتواتر ،انتهت إلى رسم صور شكلها الخيال
البشري ،تتوفر على قدر من الجمال فاق في بعض
المؤشرات ،فيجيء منجزه لافتًا في لحظته خلبًا تجلياته مظاهر الطبيعة ،لقد حررت المخيلة الأشياء
للأنظار والأسماع والأذهان ،غير أنه سرعان ما من مسمياتها وأعتقتها من الأمكنة المحبوسة فيها،
يفقد ألقه ويخبو توهجه ،كذلك يحدث مع الأعمال
التي تحاول أن تكرر نفس التجربة ،وتعيد إنتاجها ومن هنا امتلك الفن قوة تستمد طاقتها من إرادة
أو تنوع عليها في عملية استنساخ سوف ُتفتضح التجاوز بالخلق والإبداع ،ومن إيمان ضروري
بحكم أساليبها التي تنزع إلى تكرار الأصل ،مع بالجمال.
إضافة بصمة ذاتية لن تظهر كإضافة في العمل
ككل؛ كما يحتاج العمل الفني إلى امتلاء ،سوف إن المنهج الذي يؤرخ للفن من وجهة نظر مدرسية
يلزمه أن يتجاوز هذا الامتلاء ويتخلص منه ليقدر ويلخصه في بعض مدارس أو يصنفه وفق منطق
الجيتوات المذهبي ،أو ينسبه للمؤسسة ،هو منهج
على تحويل المادة إلى عنصر ينبض حيوية. قاصر بالتأكيد ،بل وخائن لمبدأ الفن الذي يقوم
إن «اللعب» والعبارة لـ»كانط» في نفس الساحة أسا ًسا على التحرر بالتجدد ،وهو قاصر ليس فقط
ليس أم ًرا معيبًا ،غير أنه سوف يصير عطالة إذا لأنه يعتمد أسلو ًبا خطيًّا أو لأنه يحاول ترويض
لم تكن فيه لمسة فنية مغايرة تحقق جوهر اللعب:
وحش غامض كامن في أعماق الذات الإنسانية
المتعة والإضافة. -فر ًدا أو مجموعة ،-متمرد على الطبيعة ،وليس
وكل استقراء لمسيرة الفن لا يضع في الحسبان لأنه يسعى لتقنين الفوضى على اعتبار أن العملية
هذه الأفكار هو قراءة خادعة وخائنة ،فتاريخ الفن الإبداعية التي تحقق الفنية إنما تنتجها حالة غير
هو تاريخ الطوارئ فيه ،بد ًءا من هوميروس مرو ًرا مستقرة ،حالة هائجة من الأفكار تمتزج بالمخيلة
بهوراس والنحت في الشرق الأدنى والشعرية
العربية الجاهلية ،والانقلابات التي حدثت على بالمعاناة ،ولكن لأنه لا وجود لخطة مسبقة في
الفن؛ إنه النشاط البشري الوحيد الذي يتشكل
مستوى الوعي الجمالي وينتعش فيتدفق ويكون من اللحظات الفارقة
سواء في الأدب أو والتوجسات البوهيمية من ميكانيزم بلا محركات،
وما يهجس به الحدس من دوافع للتوهج فـ:
العمارة ،أو في أشكال
تسيير الحياة اليومية «الأشياء الغامضة تحث العقل على ابتكارات
جديدة» ،كما هتف ليوناردو دافنشي ذات يوم،
في الأندلس ،أو ما غير أن مشكلة الفن هي مشكلة إيقاع أي ًضا ،لذلك
جاءت به النهضة من لا تزال فكرة الفيثاغوريين قائمة إلى الآن من أن
أفكار ،والثورات التي الانسجام والإيقاع أصل الوجود .ليس ثمة من
نظرية تعرف الإيقاع ،كما ليس هناك حقيقة تحدد
يوهان جوته الإيقاع ،وما سيزيد الطين بلة أن لكل إبداع إيقاعه،
بل لكل مبدع إيقاعه الخاص الذي سوف يميزه عن
معاصريه ،ويجعله يتفرد ويحقق منجزه الفردي
المختلف جماليًّا وفكر ًّيا ،غير أن هذا الإيقاع قد
يخون الفن الحقيقي ويعطي انطبا ًعا على أنه الفن
الأصح والأجمل ،كما هتف جوتة ذات يوم منبها:
«الإيقاع مغر ،لقد امتدحوا قصائد سخيفة تما ًما
وذلك بسبب إيقاعها الناجح».