Page 47 - ميريت الثقافية- العدد رقم 22 أكتوبر 2020
P. 47
45 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
عبد الوهاب الملوح (تونس)
البدايات المتجددة للفن والشعر
إذا سلّمنا أن الفن هو عملية تحويل المادة من حالة جامدة إلى عنصر ليوناردو
حيوي متدفق النبض ،تنبعث في مواتها أسباب الحياة مما يجعلها دافنشى
كائ ًنا يتوفر على مقومات الوجود الأسمى ،هذا السمو الذي سيعلّي من
شأن مجرد واقعة عابرة؛ عرضية ،إلى رؤيا كونية تتصدى لإشكالية
الكينونة ومسألة الوجود كهاجس جماعي أو فردي ،وإذا بالفن أي ًضا
هو التعامل مع المعاناة بوصفها تجربة ذاتية /جمعية ،بما تختزنه
من موروث أسطوري فولكلوري وديني ،يقاوم من أجل بقائه وتجليه
كمقوم من مقومات الوجود في تصادمه مع متغيرات الواقع الحداثية،
هذا التصادم الذي سيكون مصد ًرا من المصادر القوية للإضافة
والتجاوز ،بل ما يحولها إلى وقود وطاقة فعالة تضفي على الوجود
مشروعية السؤال الجمالي ،ما يكفل لها قدرة الخلق وبعث الحياة في
المادة الموات.
النظر في تاريخ الفن ككل ،ليس باعتباره مس ًحا إذا سلَّمنا أن الفن هو تلك القدرة على الابتكار من
أنطولوجيًّا يقوم على استعراض المفاهيم والأفكار،
اللاشيء ،وذلك الإيمان بقوة الكائن وما يمتلكه
واستقراء المبادئ التي قامت عليها المذاهب من إمكانات للعطاء ،وهو أي ًضا تلك القابلية على
والمدارس الفنية؛ لقد قام تاريخ الفن على المراجعات التجدد المستمر والانقلاب على السياقات المألوفة،
وعمليات المسح بما هي جرد وتثبيت لأهم المدارس ليس بمعنى الثورة ولكن التحرر بما هو فكاك من
والأفكار التي إما ُتن ِّظر للفن أو تؤرخ له من وجهة النمطية ،وعقيدة الفن الجوهرية هي التحرر؛ يصبح
وقتها من المشروع مراجعة وجهة نظر هيجل،
نظر مدرسية ،باعتبار ليس ثمة ما هو أبدع مما بل تأكيد بطلان نبوءته بموت الفن وانهزامه أمام
كان ،وليس الفن ذلك الذي يتيح للإنسان -وقد ما تحققه العلوم الحديثة من قفزات بمنتوجاتها
استعاد ذاته بكل تدفقاتها الانفعالية وتوهجاتها التقنية والرقمية الآن .بل سوف يتوجب إعادة
العاطفية ونوازع وجدانها -أن يشعر أنه مركز
الكون ،ومبرر الوجود ،وإذا الفنان ذلك الذي ُيع ُّد