Page 59 - Pp
P. 59
أصبح ذهنه أكثر شرو ًدا وأصبح أي ًضا أقل اهتما ًما بشؤونه
الخاصة الأخرى ،ووصلت به الحال إلى أنه في يوم نسي أن
يدخل بيته فواصل المشي في الزقاق وما انتبه إلى ذلك إلا بعد
حين .ما نهاية هذا الأسى؟ سأل هادي نفسه.
بعد شهرين أو أكثر ماتت أم زوجها نتيجة مرض ما نفع معه
العلاج فوجدها هادي فرصة ما بعدها فرصة ،قال في نفسه :هذا
هو يومك ،للجار حق على جاره والنبي أوصى بسابع جار ،فكيف
إذا كان خام ًسا!
بدأ هادي برسم المخطط ،ولكي ينفذه ذهب إلى السوق،
اشترى ما كان بتقديره ضرور ًّيا لما كان يريد أن ينفذه .في اليوم
الثاني من وفاة المرأة أقيم مجلس عزاء للنسوة في البيت ،أحيته
إحدى القارئات اللاتي ذاعت شهرتهن في إحياء مناسبات كهذه،
تع ِّدد فيه محاسن الفقيدة وتأتي لذكر آل البيت وبعض الرجال
الصالحين والنساء الصالحات ،أثناء ذلك يرتفع بكاء وعويل
بعضهن ،ممن لم يقدرن على حبس مشاعرهن الدفينة ففاضت
وانتشرت في الأرجاء.
في اليوم التالي عص ًرا ،لبس هادي ما كان قد هيَّأه :الجوربين
الأسودين والثوب الأسود ،وقد اعتنى بإغلاقه عند الرقبة .أخذ
العباءة من درج في خزانة أمه ،وقد كان لها عباءتان ،واحدة
خرجت بها قبل قليل لتذهب إلى العزاء والثانية ،يعيدها إلى مكانها
متى انتهت حاجته إليها ،أح َبك وضع قطعة القماش فنزلت من
أعلى الرأس مغطية وجهه ،أدخل كفيه في القفازين الأسودين
فاختفت أصابعه داخلهما ،أخي ًرا ،بان والنعل الأسود في قدميه
59