Page 34 - الثقافة وأجهزتها
P. 34
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ وأﺟﻬﺰﺗﻬﺎ
وﺷﻴﺌًﺎ ﻓﺸﻴﺌًﺎ أﺧﺬ المﴪح ﻳﻨﻔﺼﻞ ﻋﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻓﻨٍّﺎ ﻣﺪﻧﻴٍّﺎ ﻳﻌﺎﻟﺞ ﻣﺸﻜﻼت اﻟﺤﻴﺎة
والمﺠﺘﻤﻊ ،وﻛﺎن ﻫﺬا اﻟﺘﺤ ﱡﻠﻞ ﻣﻦ اﻟﺪﻳﻦ أﴎع ﰲ ﻓ ﱢﻦ اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ اﻟﺘﻲ أﺻﺒﺤﺖ ﻧﻘ ًﺪا ﻟﻠﺤﻴﺎة
واﻷﺧﻼق وﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻋﻴﻮب.
وﰲ ﻣﴫ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻳﻠﻮح أﻳ ًﻀﺎ أ ﱠن ﻓ ﱠﻦ المﴪح ﻗﺪ ُﻋ ِﺮف ﻓﻴﻬﺎ ،ﺑﻞ ﻟﻌﻠﻪ ﺳﺒﻖ المﴪح اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ
إﱃ اﻟﻈﻬﻮر ،وﻟﺪﻳﻨﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﻘﻮش ﻣﺎ ﻳﻌ ﱢﺰز ﻫﺬا اﻟﺮأي .وﻛﺎن ﻫﺬا المﴪح ﰲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺪﻳﻦ
أﻳ ًﻀﺎ ﻛﻮﺳﻴﻠﺔ ﻟﻌﺮض اﻷﺳﺎﻃير اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ،ﻣﺜﻞ أﺳﻄﻮرة إﻳﺰﻳﺲ وأوزورﻳﺲ ،وﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻨﺸﺄ
ﰲ اﻟﺤﻘﻮل ﻛﻤﺎ ﻧﺸﺄ ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎن ،ﺑﻞ ﻧﺸﺄ داﺧﻞ المﻌﺎﺑﺪ؛ وﻇﻞ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺒﺪو ﻣﻦ أﴎار اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ
اﻟﺘﻲ ﻳﺤﺘﻜﺮﻫﺎ اﻟﻜﻬﻨﺔ؛ وﻟﺬﻟﻚ ﻳﻈﻬﺮ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺨﺮج ﻣﻦ المﻌﺎﺑﺪ ،وﻟﻢ ﻳﺼﺒﺢ ﻓﻨٍّﺎ ﻣﺪﻧﻴٍّﺎ ﺷﻌﺒﻴٍّﺎ،
وﻛﺎن ﻫﺬا ﺳﺒﺒًﺎ أﺳﺎﺳﻴٍّﺎ ﻻﻧﻘﺮاﺿﻪ وﻋﺪم ﺗﺄ ﱡﺻﻠﻪ ﰲ ﻣﴫ ﻋﲆ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﺗﺄ ﱠﺻﻞ ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎن
واﻧﺘﻘﻞ ﻣﻨﻬﻢ إﱃ اﻟﺤﻀﺎرات اﻷوروﺑﻴﺔ اﻷﺧﺮى ﻛﺤﻀﺎرة اﻟﺮوﻣﺎن اﻟﺘﻲ ازدﻫﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻦ
اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ﺑﻨﻮع ﺧﺎص ،وإن ﻟﻢ ﻳُﺨ ﱢﻠﻔﻮا ﰲ ﺗﺮاﺛﻬﻢ ﺗﺮاﺟﻴﺪﻳﱠﺎت ذات ﻗﻴﻤﺔ أدﺑﻴﺔ وﻓﻨﻴﺔ ﺗُﺬ َﻛﺮ.
وﻇ ﱠﻠﺖ ﺗﺮاﺟﻴﺪﻳﱠﺎت اﻹﻏﺮﻳﻖ اﻟﱰاث اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ اﻟﻮﺣﻴﺪ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﰲ اﻟﻌﺼﻮر اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ.
وﺑﺴﻘﻮط روﻣﺎ ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس المﻴﻼدي اﻧﺘﻬﺖ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ،واﺑﺘﺪأت ﺣﻀﺎرة
اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ ذات اﻟﺪﻳﺎﻧﺎت اﻟﺴﻤﺎوﻳﺔ ،واﺧﺘﻔﻰ المﴪح اﻹﻏﺮﻳﻘﻲ واﻟﺮوﻣﺎﻧﻲ اﻟﻘﺪﻳﻤﺎن
ﺑﺎﺧﺘﻔﺎء اﻟﻮﺛﻨﻴﺔ .وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﺨﺘ ِﻒ ﻓﻜﺮة المﴪح اﻟﺘﻲ اﻟﺘﻘﻄﺘﻬﺎ المﺴﻴﺤﻴﺔ ،ﻓﻨﺸﺄ ﻣﴪح
دﻳﻨﻲ وأﺧﻼﻗﻲ واﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﰲ ﻛﻨﻒ المﺴﻴﺤﻴﺔ ،واﺗﱡﺨﺬ ﻣﻦ ﺳﺎﺣﺎت اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ أﻣﻜﻨﺔ ﻟﻌﺮض
المﴪﺣﻴﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻲ ﻣﺄﺳﺎة المﺴﻴﺢ وﺻﻠﺒﻪ ،وﺣﻴﺎة اﻟﻘﺪﻳﺴين ،وﻋﱪ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ،واﻧﺘﻘﺎد
المﺴﺎوئ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ،وإن ﻟﻢ ﻳﺼﻞ ﻫﺬا اﻟﻔﻦ إﱃ المﺴﺘﻮى اﻷدﺑﻲ واﻟﻔﻨﻲ اﻟﺬي
وﺻﻞ إﻟﻴﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎن ﺑﺨﺎﺻﺔ ،ﺛﻢ ﻋﻨﺪ اﻟﺮوﻣﺎن إﱃ ﺣ ﱟﺪ ﻣﺎ.
وﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس ﻋﴩ ﻇﻬﺮت ﺑﻌﺪ ﺳﻘﻮط اﻟﻘﺴﻄﻨﻄﻴﻨﻴﺔ وﻫﺠﺮ ِة َﺣ َﻔﻈ ِﺔ اﻟﱰاث اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ
اﻟﺮوﻣﺎﻧﻲ إﱃ إﻳﻄﺎﻟﻴﺎ وﻓﺮﻧﺴﺎ وﻏيرﻫﻤﺎ ﻣﻦ ﺑﻼد أوروﺑﺎ ،ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻌﺎﺗﻴﺔ المﻌﺮوﻓﺔ ﺑﺤﺮﻛﺔ
اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ أو اﻟﺒﻌﺚ اﻟﻌﻠﻤﻲ .ﻓﺄُ ِﻋﻴﺪ ﻧﴩ اﻟﱰاث اﻟﻘﺪﻳﻢ ،وﺗُﺮ ِﺟﻢ إﱃ اﻟﻠﻐﺎت اﻷوروﺑﻴﺔ
اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺑﻤﺎ ﰲ ذﻟﻚ اﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ،وﺗﺨ ﱠﻠﺖ أوروﺑﺎ ﻋﻦ ﺣﻀﺎرة اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ وﻓﻨﻮﻧﻬﺎ،
وﻋﺎدت ﺗُﺤﺎ ِﻛﻲ اﻟﻔﻨﻮن وﺗﺴﺘﻠﻬﻢ اﻟﺜﻘﺎﻓﺎت اﻟﺮوﻣﺎﻧﻴﺔ واﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﺑﻤﺎ ﰲ ذﻟﻚ ﻓﻦ
المﴪح اﻟﺬي أﺧﺬ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻪ وأﺻﻮﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﺎرﻳﺦ واﻷﺳﺎﻃير اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻣﻊ اﺳﺘﺒﺪال
ﺣﻘﺎﺋﻖ اﻟﻨﻔﺲ اﻟﺒﴩﻳﺔ ودواﻓﻌﻬﺎ ﺑﺈرادة اﻵﻟﻬﺔ المﺘﻌﺪدة ،ﻓﻜﺎن ذﻟﻚ اﻷدب اﻟﺬي ﻧﺴﻤﻴﻪ
34