Page 36 - الثقافة وأجهزتها
P. 36
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ وأﺟﻬﺰﺗﻬﺎ
وﻫﺬا ﻣﺜﻞ ﻳﻮﺿﺢ إﱃ أي ﺣ ﱟﺪ اﺳﺘﻄﺎع المﴪح أن ﻳُﺴﺎ ِﻫﻢ ﰲ ﺗﻄﻮﻳﺮ اﻟﺤﻴﺎة ،ﺑﻞ أن
ﻳﻤ ﱢﻬﺪ ﺗﻤﻬﻴ ًﺪا ﻗﻮﻳٍّﺎ ﻟﻠﺜﻮرة اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ اﻟﻌﺎﺗﻴﺔ ،ﻛﻤﺎ ﺳﺎﻫﻢ ﻣﺴﺎﻫﻤﺎ ٍت ﻣﺸﺎﺑﻬﺔ ﰲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ،وﻟﻢ
ﺗﻘﺘﴫ المﺴﺎﻫﻤﺎت ﻋﲆ المﺠﺎل اﻟﺴﻴﺎﳼ ،ﺑﻞ اﻣﺘ ﱠﺪت إﱃ ﻣﺠﺎﻻت اﻟﺤﻴﺎة اﻷﺧﺮى اﺟﺘﻤﺎﻋﻴ ًﺔ
ﻛﺎﻧﺖ أو أﺧﻼﻗﻴﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻜﺸﻒ واﻟﻨﻘﺪ واﻟﺘﻮﺟﻴﻪ.
ﺗﻄ ﱡﻮر ﻓﻨﻮﻧﻪ
ﻛﺎن اﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎن ،وﰲ ﻋﴫ اﻟﻨﻬﻀﺔ اﻷوروﺑﻴﺔ ﻳﻨﻘﺴﻢ إﱃ ﻓﻨين ﻣﺘﻤﻴﺰﻳﻦ،
ﻳﺠﻮز أن ﻳﺨﺘﻠﻂ أﺣﺪﻫﻤﺎ ﺑﺎﻵﺧﺮ وﻻ ﺛﺎﻟﺚ ﻟﻬﻤﺎ ،وﻫﻤﺎ :ﻓ ﱡﻦ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ أي المﺄﺳﺎة ،وﻓﻦ
اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ أي المﻠﻬﺎة ،وﻛﺎﻧﺖ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ ﺗﺴﺘﻤﺪ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻬﺎ ﻣﻦ أﺳﺎﻃير اﻵﻟﻬﺔ وﺣﻴﺎة المﻠﻮك
واﻷﺑﻄﺎل واﻟﻨﺒﻼء ،ﻋﲆ ﺣين ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ﺗﺴﺘﻤﺪ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻬﺎ وﺷﺨﺼﻴﺎﺗﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺎة
ﻋﺎ ﱠﻣﺔ اﻟﺸﻌﺐ وأﻓﺮاده ،وﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن اﻟﻨﻮﻋين ﻛﺎﻧﺎ ﻳﻜﺘﺒﺎن ﺷﻌ ًﺮا ،ﻓﺈ ﱠن ﻟﻐﺔ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ ﻛﺎﻧﺖ
ﺗﻤﺘﺎز ﺑﻨﺒﻠﻬﺎ وﺻﻔﺎﺋﻬﺎ ،ﻋﲆ ﺣين ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻐﺔ اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ﺗﻘﱰب أﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻣﻦ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﺪارﺟﺔ،
ﺑﻞ ﻣﻦ ﻟﻐﺔ اﻟ ﱠﺪ ْﻫﻤﺎء ،وﻛﺎن اﻟﻨﻮﻋﺎن ﻣ ًﻌﺎ ﻻ ﻳﻘﺘﴫان ﻋﲆ اﻟﺤﻮار اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ﺑﻞ ﻳﺠﻤﻌﺎن إﻟﻴﻪ
ﻓﻨﻮﻧًﺎ أﺧﺮى ،ﻣﺜﻞ المﻮﺳﻴﻘﻰ واﻟﺮﻗﺺ وأﻏﺎﻧﻲ اﻟﺠﻮﻗﺔ وأﻧﺎﺷﻴﺪﻫﺎ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗُﻌﺘ َﱪ ﻋﻨ ًﴫا
أﺳﺎﺳﻴٍّﺎ ﰲ المﴪﺣﻴﺔ.
وﰲ ﻋﴫ اﻟﻨﻬﻀﺔ رأى اﻷدﺑﺎء أن ﻳﺴﺘﻘ ﱠﻞ ﻓ ﱡﻦ اﻟﺘﻤﺜﻴﻞ ﻋﻦ ﻏيره ﻣﻦ اﻟﻔﻨﻮن ﻛﺎلمﻮﺳﻴﻘﻰ
واﻟﺮﻗﺺ واﻟﻐﻨﺎء ،وﻣﻦ ﺛﻢ ﻋﻦ اﻟﺠﻮﻗﺔ؛ وﻫﻜﺬا ﻧﺸﺄت المﴪﺣﻴﺔ ال ُمﻜﺘ ِﻔﻴﺔ ﺑﺬاﺗﻬﺎ المﻜ ﱠﻮﻧﺔ ﻋﻨﺪ
اﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻴين ﻣﻦ ﺧﻤﺴﺔ ﻓﺼﻮل؛ أي ﻣﻦ أﺟﺰاء اﻟﺤﻮار اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﺑﻌﺪ ﺣﺬف أﻏﺎﻧﻲ اﻟﺠﻮﻗﺔ
اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺨ ﱠﻠﻞ ﺗﻠﻚ اﻷﺟﺰاء .وﰲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻇﻬﺮ ﻓ ﱞﻦ ﻣﴪﺣ ﱞﻲ آﺧﺮ ،وﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳُﻌﺘ َﱪ
ﻓﻨٍّﺎ أدﺑﻴٍّﺎ ﺑﻞ ﻓﻨٍّﺎ ﻣﻮﺳﻴﻘﻴٍّﺎ؛ ﻷن المﻮﺳﻴﻘﻰ واﻟﻐﻨﺎء ﻫﻤﺎ ﻣﻘ ﱢﻮﻣﺎﺗﻪ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ .وﻫﺬا اﻟﻔ ﱡﻦ ﻫﻮ ﻓ ﱡﻦ
اﻷوﺑﺮا ،ﺛﻢ ﻓﻦ اﻷوﺑﺮﻳﺖ اﻟﺬي ﻳﺠﻤﻊ ﺑين اﻟﺤﻮار اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ والمﻘﻄﻮﻋﺎت اﻟﻐﻨﺎﺋﻴﱠﺔ المﻮﺳﻴﻘﻴﱠﺔ.
وﻛﺎن ﻇﻬﻮر ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﰲ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ ﰲ إﻳﻄﺎﻟﻴﺎ أول اﻷﻣﺮ ،وﻣﻨﻬﺎ اﻧﺘﻘﻞ إﱃ ﺑﻼد أوروﺑﺎ وﻣﺪﻧﻬﺎ
ﻛﺎ ﱠﻓﺔ ،وإن ﻳﻜﻦ اﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ﻗﺪ ﻇ ﱠﻞ ﰲ ﻋﻬﺪ اﻟﻨﻬﻀﺔ ،وﰲ المﺬﻫﺐ اﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﻳُﻜﺘَﺐ ﻛﻠﻪ
ﺷﻌ ًﺮا ،وﻻ ﻳﺠﻮز أن ﻳُﻜﺘﺐ ﻧﺜ ًﺮا.
ول ﱠمﺎ ﻛﺎن اﻷدب ﻛﻐيره ﻣﻦ اﻟﻔﻨﻮن ﻳُﻌﺘ َﱪ ﻣﺮآ ًة ﻟﻠﺤﻴﺎة ،ﻓﻘﺪ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ أن
ﻳﺘﻄ ﱠﻮر اﻷد ُب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇﱡ ﻣﻊ ﺗﻄ ﱡﻮر اﻟﺤﻴﺎة ﻋﱪ اﻟﻘﺮون؛ وﻟﺬﻟﻚ ﻧﺮى اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﴩ،
وﻫﻮ ﻗﺮن اﻟﺘﻔﻜير واﻟﻨﻘﺪ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻟﻠﺤﻴﺎة وأﻟﻮان ﻧﺸﺎﻃﻬﺎ ﻳﻨﺘﻘﺪ اﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ،وﻳﺴﺘﻨﻜﺮ
ﺗﻘﺴﻴﻤﻪ إﱃ ﻓﻨﱠين ﻻ ﺛﺎﻟﺚ ﻟﻬﻤﺎ :ﻓﻦ ﺧﺎص ﺑﺎﻟﻨﺒﻼء وﻫﻮ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ ،وﻓﻦ ﺧﺎص ﺑﻌﺎﻣﺔ
36