Page 40 - الثقافة وأجهزتها
P. 40
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ وأﺟﻬﺰﺗﻬﺎ
ﻣﻊ ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻣﺘﱠﻰ ﺑﻦ ﻳﻮﻧﺲ وﺗﺮﺟﻤﺔ ﺟﺪﻳﺪة ﻟﻠﺸﻌﺮ ﰲ ﻛﺘﺎ ٍب ﻇﻬﺮ ﰲ اﻟﺴﻨﻮات اﻷﺧيرة ،وﰲ
ﺗﻌﻠﻴﻘﺎت اﺑﻦ رﺷﺪ ﻧﺮى ﻓﻴﻠﺴﻮﻓﻨﺎ ﻳُﺠ ِﻬﺪ ﻧﻔﺴﻪ ﰲ اﻟﺒﺤﺚ ﰲ ﻗﺼﺎﺋﺪ المﺪﻳﺢ ،وﻗﺼﺎﺋﺪ اﻟﻬﺠﺎء
اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﻦ أﺑﻴﺎت ﺗﺆﻳﱢﺪ ﻛ ﱠﻞ ﺧﺎﺻﻴﱠﺔ ﻣﻦ اﻟﺨﺼﺎﺋﺺ اﻟﺘﻲ ذﻛﺮﻫﺎ أرﺳﻄﻮ ﺑﻔﻨﱠﻲ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ
واﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ.
وأﻣﺎ ﻋﻦ ﻣﴫ اﻟﻔﺮﻋﻮﻧﻴﺔ وﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻗﺪ اﻧﺤﺪر إﻟﻴﻨﺎ ﻋﻨﻬﺎ ﻣﻦ ﻓ ﱢﻦ اﻟﺘﻤﺜﻴﻞ
اﻟﺬي ﻳﺒﺪو أ ﱠن أﺟﺪادﻧﺎ ﻗﺪ ﻋﺮﻓﻮه ،ﻓﺈ ﱠن اﺳﺘﻤﺮار ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﱞﴎ ﻣﻦ أﴎار اﻟﻜﻬﻨﺔ ،وﻋﺪم
ﺧﺮوﺟﻪ ﻣﻦ المﻌﺎﺑﺪ ،وﻋﺪم اﻧﻔﺼﺎﻟﻪ ﻋﻦ اﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻮﻧﺎن ،ﺛﻢ اﻧﻘﻄﺎع اﻟﺼﻠﺔ
ﺗﻘﺮﻳﺒًﺎ ﺑين ﻣﴫ اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ اﻟﺘﻲ أﺻﺒﺤﺖ ﻋﺮﺑﻴﺔ ﰲ ﻛ ﱢﻞ ﳾء وﻣﴫ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ،ﻛ ﱡﻞ ﻫﺬا ﻛﺎن
ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ أن ﻳ ْﺴﺘﺒ ِﻌﺪ اﺣﺘﻤﺎل وراﺛﺔ اﻟﺸﻌﺐ المﴫي ﻟﻬﺬا اﻟﻔ ﱢﻦ ﻋﻦ اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ .وإذا ﻛﺎﻧﺖ
ﻣﴫ واﻟﺒﻼد اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻷﺧﺮى ﻗﺪ َﻋ َﺮﻓﺖ ﺧﻼل اﻟﻌﺼﻮر اﻟﻮﺳﻄﻰ ،ﺑﻞ ﰲ اﻟﻌﴫ اﻟﺤﺪﻳﺚ
أﻳ ًﻀﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻔﻨﻮن اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺸﺒﻪ ﻓ ﱠﻦ المﴪح ﻣﻦ ﻗﺮﻳﺐ أو ﺑﻌﻴﺪ ،ﻣﺜﻞ» :ﺧﻴﺎل اﻟﻈﻞ«
و»اﻟﻘﺮاﻗﻮز« ،ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ اﻟﺸﺎق أن ﻧﺤ ﱢﺪد أﺻﻞ ﻫﺬﻳﻦ اﻟﻔﻨين ،ﻓﻬﻨﺎك ﻣﻦ اﻟﺒﺎﺣﺜين َﻣﻦ ﻳﻈﻦ
ﺧﻴﺎل اﻟﻈﻞ ﻣﺜ ًﻼ ﻧﺸﺄ أﺻ ًﻼ ﰲ اﻟﺼين ،واﻟﻔﺮﻧﺴﻴﻮن ﻻ ﻳﺰاﻟﻮن ﺣﺘﻰ اﻟﻴﻮم ﻳﺴﻤﻮﻧﻪ اﻟﻈﻞ
اﻟﺼﻴﻨﻲ ،ﻋﲆ ﺣين ﻳﺴ ﱢﻤﻴﻪ اﻹﻧﺠﻠﻴﺰ ﻟﻌﺒﺔ اﻟﻈﻞ دون ﺗﺨﺼﻴﺼﻪ ﺑﻤﺼﺪر ﻣﻌ ﱠين .ﻛﻤﺎ أ ﱠن ﻫﻨﺎك
َﻣﻦ ﻳﺰﻋﻢ أن اﻟﻘﺮاﻗﻮز ﻓ ﱞﻦ ﺗﺮﻛﻲ ،وأ ﱠن ﻛﻠﻤﺔ ﻗﺮاﻗﻮز ﻣﻜ ﱠﻮﻧﺔ ﻣﻦ اﻟﻠﻔﻈﺘين اﻟﱰﻛﻴﺘين »ﻗﺮه«؛
أي أﺳﻮد ،و»ﻛﻮز«؛ أي اﻟﻌين اﻟﺴﻮداء ،ﺑﺤﺠﺔ أ ﱠن َﻣﻦ ﻳﻌﺮﺿﻮﻧﻪ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﺎد ًة ﻣﻦ اﻟﻐﺠﺮ
اﻟﺠ ﱠﻮاﻟين ذوي اﻟﻌﻴﻮن اﻟﺴﻮد .وذﻟﻚ ﻋﲆ ﺣين ﻳﺰﻋﻢ المﺴﺘ ِﴩق اﻷلمﺎﻧﻲ المﺸﻬﻮر ﻟﻴﺘﻤﺎن أ ﱠن
ﻛﻠﻤﺔ ﻗﺮاﻗﻮز ﺗﺤﺮﻳﻒ ﺗﺮﻛﻲ ﻟﻼﺳﻢ المﴫي »ﻗﺮاﻗﻮش« ،وﻫﻮ اﺳﻢ ﻟﻮزﻳﺮ ﻣﻦ أﻳﺎم ﺻﻼح
اﻟﺪﻳﻦ زﻋﻢ المﺆ ﱢرخ اﺑﻦ ﻣﻤﺎﺗﻲ أﻧﻪ ﻛﺎن وزﻳ ًﺮا ﻣﺴﺘﺒ ٍّﺪا ،وﺷﺎﻋﺖ ﻋﻨﻪ ﺗﻠﻚ اﻟﺸﻬﺮة اﻟﺴﻴﺌﺔ
ﺑين ﻋﺎ ﱠﻣﺔ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺬي أﺧﺬ ﻳﺴﺨﺮ ﻣﻨﻪ وﻣﻦ ﻇﻠﻤﻪ ،وﻣﻦ ﺣﻜﻢ ﻗﺮاﻗﻮش ﻛﻠﻪ ﺑﻮاﺳﻄﺔ ﻟﻌﺒﺔ
ﻗﺮاﻗﻮش اﻟﺘﻲ ﺗﺤ ﱠﻮرت ﺑﺘﺄﺛير اﻟﻠﻐﺔ اﻟﱰﻛﻴﺔ إﱃ ﻗﺮاﻗﻮز ،واﺗﻔﻖ ﻫﺬا اﻟﺘﺤﺮﻳﻒ ﻣﻊ المﺮ ﱠﻛﺐ
المﺰﺟﻲ اﻟﱰﻛﻲ »ﻗﺮه« و»ﻛﻮز«.
وﻋﲆ أﻳﱠﺔ ﺣﺎل ﻓﻔﻲ رأﻳﻨﺎ أﻧﻪ ﻣﻦ اﻟ ﱡﺴﺨﻒ اﻟﺰﻋﻢ ﺑﺄن اﻟﻘﺮاﻗﻮز ﻗﺪ ﺗﻄ ﱠﻮر ﻓﺄﺻﺒﺢ ﻓﻦ
المﴪح ،أو أ ﱠن ﺧﻴﺎل اﻟﻈﻞ ﺗﻄ ﱠﻮر ﻓﺄﺻﺒﺢ ﻓﻦ اﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ،وإﻧﻤﺎ المﻌﻘﻮل واﻟﺘﻔﻜير اﻟﺴﻠﻴﻢ ﻫﻮ
أن ﻧﻌﱰف ﺑﺄﻧﻨﺎ أﺧﺬﻧﺎ ﻓﻦ المﴪح أﺧﺬًا ﻋﻦ اﻟﻐﺮب ﺑﻌﺪ أن أﺧﺬﻧﺎ ﰲ اﻻﺗﺼﺎل ﺑﻪ وﺗﻌ ﱡﺮف
آداﺑﻪ وﻓﻨﻮﻧﻪ ،وﻻ أد ﱠل ﻋﲆ ذﻟﻚ ﻣﻦ أن ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﻗﺪ ﻇ ﱠﻞ زﻣﻨًﺎ ﻃﻮﻳ ًﻼ ﺟ ٍّﺪا ﻳُﻌﺘ َﱪ دﺧﻴ ًﻼ
ﻋﲆ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ وﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻧﺎ وآداﺑﻨﺎ ،ﺑﻞ ﻧﺎﺑﻴًﺎ إن ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺤﺘ َﻘ ًﺮا ،ورﺑﻤﺎ ﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺬه اﻟﻨﻈﺮة
المﺮﻳﺒﺔ ﻣﻦ اﻷﻣﻮر اﻟﺘﻲ ﻋﺎﻗﺖ ﺗﺄ ﱡﺻﻠﻪ وازدﻫﺎره ﻋﻨﺪﻧﺎ ﺑﺎﻟﴪﻋﺔ واﻟﻌﻤﻖ واﻷﺻﺎﻟﺔ اﻟﻮاﺟﺒﺔ،
40