Page 43 - الثقافة وأجهزتها
P. 43
المﴪح
واﻟﻮﻋﻲ اﻟﺴﻴﺎﳼ اﻟﺸﺎﻣﻞ اﻟﺬي أﺧﺬ ﻳﺘﻐﻠﻐﻞ ﰲ أﻋﻤﺎق اﻟﺸﻌﺐ وﻃﺒﻘﺎﺗﻪ المﺨﺘﻠﻔﺔ اﻟﺜﺎﺋﺮة
ﻧﺤﻮ اﻟﺘﻘﺎ ُرب واﻟﺘﺠﺎﻧُﺲ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ واﻟﺜﻘﺎﰲ.
ﻫﺬا وﻗﺪ أﺛﺮى اﻷﺳﺘﺎذ اﻟﺤﻜﻴﻢ ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻷدﺑﻲ المﻌﺎﴏ ﺑﺄﻟﻮان ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﻋﺪد ﻛﺒير ﻣﻦ
المﴪﺣﻴﺎت اﻟﺠﺪﻳﺔ واﻟﻬﺰﻟﻴﺔ واﻟﺬﻫﻨﻴﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟﺮﻣﺰﻳﺔ واﻟﻮاﻗﻌﻴﺔ ،وﻳُﻌﺘ َﱪ ﺑﻌﻀﻬﺎ
ﻣﻦ رواﺋﻊ ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ،ﻣﺜﻞ :ﻣﴪﺣﻴﺔ »أﻫﻞ اﻟﻜﻬﻒ« وﻣﴪﺣﻴﺔ »رﺻﺎﺻﺔ ﰲ اﻟﻘﻠﺐ« و»ﻧﻬﺮ
اﻟﺠﻨﻮن« ،ﺛﻢ ﻣﴪﺣﻴﺔ »إﻳﺰﻳﺲ« اﻟﺘﻲ أﺛﺎرت ﺟﺪ ًﻻ وﻣﻨﺎﻗﺸﺎ ٍت ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺣﻮل ﺣ ﱢﻖ اﻷدﻳﺐ
ﰲ اﻟﺘ ﱡﴫف ﰲ وﻗﺎﺋﻊ اﻷﺳﺎﻃير اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ اﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ وﻣﻀﻤﻮﻧﻬﺎ اﻟﺤﻴﻮي ،وﺣ ﱢﻘﻪ ﰲ ﺗﻔﺴير
رﻣﻮزﻫﺎ ﺗﻔﺴي ًرا ﺟﺪﻳ ًﺪا؛ وذﻟﻚ ﻷ ﱠن ﺗﻮﻓﻴﻖ اﻟﺤﻜﻴﻢ ﻗﺪ ﺣﺎول أن ﻳﺠ ﱢﺮد ﻫﺬه اﻷﺳﻄﻮرة
اﻟﻔﺮﻋﻮﻧﻴﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ وﻗﺎﺋﻌﻬﺎ اﻷﺳﻄﻮرﻳﺔ اﻟﺨﺎرﻗﺔ؛ ﻟﻜﻲ ﻳﺠﻠﻮ ﺑﻤﻀﻤﻮﻧﻬﺎ ﻛ ﱢﻠﻪ ﻣﻦ
واﻗﻊ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺘﻲ ﻳﻈﻦ أﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺰال ﻣﺴﺘﻤﺮة ﻣﻦ ﻣﴫ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ إﱃ ﻣﴫ اﻟﺠﺪﻳﺪة ﻋﲆ ﻧﺤﻮ
ﻣﺎ أوﺿﺢ ﻋﲆ ﻟﺴﺎن ﺑﺎﺷﻤﻬﻨﺪس اﻟﺮي ﰲ ﻗﺼﺘﻪ المﺸﻬﻮرة »ﻋﻮدة اﻟﺮوح« ،ﺣﻴﺚ ﻧﺮى ﻫﺬا
اﻟﺒﺎﺷﻤﻬﻨﺪس ﻳﻘ ﱢﺮر أ ﱠن اﻟﻔﻼح المﴫي ﻻ ﻳﺰال ﻳﺤﻴﺎ وﻳﺰرع وﻳﺮوي اﻷرض ،وﻳﺤﺼﺪ اﻟﻘﻤﺢ
ﺑﺎﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻟﻔﺮﻋﻮﻧﻴﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ،وﻋﲆ اﻟﻨﺤﻮ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﺠﺮي ﻋﻠﻴﻪ ﺟ ﱡﺪه اﻟﻔﻼح أﻳﱠﺎم اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ.
وأﻣﺎ اﻷﺳﺘﺎذ ﻣﺤﻤﻮد ﺗﻴﻤﻮر ﻓﺮﺑﻤﺎ ﻛﺎن أﻛﺜﺮ أدﺑﺎﺋﻨﺎ المﻌﺎﴏﻳﻦ ﻣﻌﺮﻓ ًﺔ ودراﺳ ًﺔ ﻷﺻﻮل
ﻣﻬﻨﺘﻪ ﻛﺄدﻳﺐ؛ ﻓﻬﻮ ﻳﺘﻘﻦ ﻓ ﱠﻦ اﻟﻘﺼﺔ واﻷﻗﺼﻮﺻﺔ والمﴪﺣﻴﺔ إﺗﻘﺎﻧًﺎ واﻋﻴًﺎ ﻣﺴﺘﻨي ًرا ،وﻳﻌﺮف
ﻛﻴﻒ ﻳﺒﻨﻲ ﻋﻤﻠﻪ اﻷدﺑﻲ ،وﻟﻜﻦ ﻫﺬه اﻟﺼﻨﻌﺔ ال ُمﺘ َﻘﻨﺔ وﻃﺒﻴﻌﺔ ﺗﻴﻤﻮر ﻛﺮﺟﻞ ﺣ ِﺬر ﻣﺘﺤ ﱢﻔﻆ
ﻫﺎدئ اﻟﻄﺒﻊ ﺗُ ِﺼﻴﺐ أﻋﻤﺎ َﻟﻪ اﻷدﺑﻴﺔ أﺣﻴﺎﻧًﺎ ﺑﴚء ﻣﻦ اﻟﻔﺘﻮر ﻋﲆ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﺗﺼﻴﺐ »ﺗﻌﺎدﻟﻴﺔ«
ﺗﻮﻓﻴﻖ اﻟﺤﻜﻴﻢ ﻃﺒﻴﻌﺘﻪ وﺧﻮﻓﻪ اﻟﻔﻄﺮي ﻣﻦ اﻟﺠﺮأة ،ﺑﻠﻪ اﻟﺘﻄﺮف ،ﺑﺎﻟﻔﺘﻮر ﻧﻔﺴﻪ ،وﺑﺨﺎﺻ ٍﺔ
ﰲ ﻣﴪﺣﻴﺎﺗﻪ اﻟﺬﻫﻨﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﻨﺠﺢ أو ﺗﺴﺘﺜير اﻟﻨﺎس إ ﱠﻻ إذا ﺧﺮﺟﺖ ﻋﻦ اﻟﺪروب
المﻄﺮوﻗﺔ واﻷﻓﻜﺎر اﻟﺴﺎﺋﺪة اﻟﻘﺮﻳﺒﺔ المﻨﺎل؛ ﻟﺘُﺠﺎ ِﺑﻪ اﻟﻨﺎس ﺑﺠﺮأة اﻟﻔﻜﺮة اﻟﺨﺎرﺟﺔ ﻋﻦ المﺄﻟﻮف
أو المﻌﺎرﺿﺔ ﻟﻪ ﻣﻌﺎرﺿﺔ ﺗﻨﻘﺪح ﻣﻨﻬﺎ ﴍارة اﻟﺪراﻣﺎ.
ﻋﲆ أﻧﻪ إذا ﻛﺎن أدﺑﺎؤﻧﺎ المﺨ َﴬﻣﻮن اﻟﺬﻳﻦ دﻋﻮا إﱃ اﻟﺘﺠﺪﻳﺪ ﰲ ﻓﻨﻮن اﻷدب اﻟﻌﺮﺑﻲ
اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ،ﻓﺨﻠﻘﻮا اﻷﻗﺼﻮﺻﺔ واﻟﻘﺼﺔ والمﴪﺣﻴﺔ دون أن ﻳﺘﺠ ﱠﻤﻌﻮا ﺣﻮل ﻣﺬاﻫﺐ ﻣﺤﺪودة
ﻟﻠﻔﻜﺮة واﻷدب ﺑﻮﺳﺎﺋﻞ وأﻫﺪاف واﺿﺤﺔ ﻣﺘﻤﻴﺰة؛ وذﻟﻚ ﻟﻄﻐﻴﺎن اﻟﻔﺮدﻳﺔ ﰲ اﻟﻨﺼﻒ اﻷول
ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻘﺮن واﻟﺘﻤ ﱡﺴﻚ ﺑﺎﻟﺤﺮﻳﺔ ﻟﻠﻮﻃﻦ وﻟﻠﻔﺮد ﺗﻤ ﱡﺴ ًﻜﺎ ﺷﺪﻳ ًﺪا ﻛﺮ ﱢد ﻓﻌ ٍﻞ ﻟﻠﺘﺎرﻳﺦ اﻟﻄﻮﻳﻞ
المﺮﻳﺮ اﻟﺬي ﻣ ﱠﺮت ﺑﻪ اﻟﺒﻼد ﰲ ﺟﻬﺎدﻫﺎ ﻟﻠﺘﺤ ﱡﺮر ﻣﻦ اﻟﺴﻴﻄﺮة اﻷﺟﻨﺒﻴﺔ ،ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ المﻼﺣﻆ
أﻧﻪ ﻣﻨﺬ ﺧ ﱠﻠﺼﺘﻨﺎ اﻟﺜﻮرة ﺗﺨﻠﻴ ًﺼﺎ ﻛﺎﻣ ًﻼ ﻧﻬﺎﺋﻴٍّﺎ ﻣﻦ اﻟﻀﻐﻮط المﺨﺘﻠﻔﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ واﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ
أﺧﺬت روح اﻟﻔﺮدﻳﺔ المﺘﻄ ﱢﺮﻓﺔ ﺗُﻜﺒَﺢ ﺟﻤﺎﺣﻬﺎ ،وأﺧﺬت ﺑﻴﺌﺘﻨﺎ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ واﻟﺮوﺣﻴﺔ ﺗُﻬﻴﱠﺄ ﻟﻈﻬﻮر
43