Page 47 - الثقافة وأجهزتها
P. 47
اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺮاﺑﻊ
اﻟﺼﺤﻒ واﳌﺠﻼت
ﻟﺴﺖ أدري ﻫﻞ ﻻ ﺗﺰال اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﺗُﻌﺘﱪ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺮاﺑﻌﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ ،أم إن اﻟﺮادﻳﻮ ﻗﺪ اﻧﺘﺰع
ﻣﻨﻬﺎ ﻫﺬه المﻜﺎﻧﺔ؟ وﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﻠﻢ ﻋﲆ أﻳﱠﺔ ﺣﺎل أﻧﱠﻬﺎ ﻻ ﺗﺰال ﻣﻦ أﻗﻮى أﺟﻬﺰة اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ واﻟﺘﻮﺟﻴﻪ
واﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﲆ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم.
وأول ﻣﺎ ﻳﺴﺘﺤﻖ اﻟﺒﺤﺚ ﻫﻮ ﻛﻴﻒ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ أن ﺗﺼﻞ إﱃ ﻫﺬه المﻜﺎﻧﺔ؟ وﻣﺎ
ﻫﻲ اﻟﺪﻋﺎﺋﻢ اﻟﺘﻲ ﻧﻬﻀﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ؟
ﻟﻘﺪ ُﻋ ِﺮﻓﺖ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﰲ أﻧﺤﺎء ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻨﺬ وﻗ ٍﺖ ﺑﻌﻴﺪ ﰲ اﻟ ِﻘ َﺪم ،ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎن
المﻠﻮك واﻷﻣﺮاء واﻟﺤﻜﺎم ﻳﺴﺘﺨﺪﻣﻮن اﻟﺼﺤﻒ المﺨﻄﻮﻃﺔ ﻹﺑﻼغ اﻟﻘﻮاﻧين واﻟﻘﺮارات واﻷواﻣﺮ
إﱃ اﻟﺮﻋﺎﻳﺎ والمﺤﻜﻮﻣين ،وﻟﻜﻨﱠﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺎﻟﴬورة ﻣﺤﺪودة اﻻﻧﺘﺸﺎر ﻏﺎﻟﻴﺔ اﻟﺜﻤﻦ وإﺧﺒﺎرﻳﺔ
ﺧﺎﻟﺼﺔ ،ﺣﺘﻰ إذا ﺗ ﱠﻢ اﺧﱰاع اﻟﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﺤﺮوف المﺘﺤ ﱢﺮﻛﺔ ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس ﺣﺪث ﻓﻴﻬﺎ
اﻧﻘﻼ ٌب ﻛﺒير؛ إذ أﺻﺒﺢ ﻣﻦ المﻤﻜﻦ ﻃﺒ ُﻊ ﻧﺴ ٍﺦ ﻋﺪﻳﺪة ﻣﻦ ﻛ ﱢﻞ ﺟﺮﻳﺪة ﰲ زﻣ ٍﻦ وﺟﻴﺰ وﺑﻨﻔﻘﺎت
أﻗﻞ ﻛﺜيرًا ﻣﻦ اﻟﻨﱠ ْﺴﺦ اﻟﻴﺪوي .إﻻ أ ﱠن اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﻇ ﱠﻠﺖ ﻣﻊ ذﻟﻚ ﻣﺤﺪودة اﻟﺘﺪا ُول ﻏﺎﻟﻴﺔ اﻟﺜﻤﻦ
ﻗﻠﻴﻠﺔ اﻟﺼﻔﺤﺎت ،وذات ﻫﺪف إﺧﺒﺎري ﺧﺎﻟﺺ ،وإن ﺗﻜﻦ ﻗﺪ أﺧﺬت ﺗﻀﻴﻒ إﱃ اﻷﺧﺒﺎر
اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ أﺧﺒﺎ ًرا أﺧﺮى اﻗﺘﺼﺎدﻳﱠﺔ واﺟﺘﻤﺎﻋﻴﱠﺔ وﺛﻘﺎﻓﻴﱠﺔ وﻏيرﻫﺎ.
وﰲ ﺳﻨﺔ ١٨٣٧أﺣﺪث اﻟﺼﺤﻔﻲ اﻟﻔﺮﻧﴘ ﺑﻮل ﺟيراردان ﰲ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ اﻧﻘﻼﺑًﺎ آﺧﺮ
ﺑﺎﻟﻎ اﻟﺨﻄﻮرة ،ﺑﻞ ﻟﻌ ﱠﻠﻪ اﻻﻧﻘﻼب اﻟﺬي ﺣ ﱠﺪد ﻣﺼيرﻫﺎ ،وﻣ ﱠﻬﺪ أﻣﺎﻣﻬﺎ اﻟﺴﺒﻴﻞ ﻟﺘﺤﺘ ﱠﻞ ﰲ ﻋﺎلمﻨﺎ
اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺗﻠﻚ المﻜﺎﻧﺔ اﻟﺘﻲ أﺑﺎﺣﺖ ﺗﺴﻤﻴﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺮاﺑﻌﺔ.
وﻗﺪ أﺣﺪث ﺟيراردان ﻫﺬا اﻻﻧﻘﻼب ﺑﻔﻜﺮة ﻋﺒﻘﺮﻳﺔ ﺧﻄﺮت ﻟﻪ ،وﻫﻲ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ
ﻛﻮﺳﻴﻠﺔ ﻟﻺﻋﻼﻧﺎت اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ ،وﺑﻔﻀﻞ ﻣﺎ ﺗُ ِﻐ ﱡﻠﻪ ﺗﻠﻚ اﻹﻋﻼﻧﺎت ﻋﲆ اﻟﺼﺤﻒ ﻣﻦ ﻛﺴ ٍﺐ وﻓي ٍر
اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ أن ﺗﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻋﺪد ﺻﻔﺤﺎﺗﻬﺎ ،وأن ﺗُﻨ ﱢﻮع ﻣﻦ أﺑﻮاﺑﻬﺎ ،وأن ﺗُﻀﻴ َﻒ إﱃ ﻣﻬ ﱠﻤﺘﻬﺎ
اﻹﺧﺒﺎرﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻋ ﱠﺪة ﻣﻬﺎ ﱠم أﺧﺮى ﻛﺎﻟﺘﺜﻘﻴﻒ واﻟﺘﺴﻠﻴﺔ واﻟﺘﻮﺟﻴﻪ ،ﺛﻢ اﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﲆ اﻟﺮأي