Page 49 - الثقافة وأجهزتها
P. 49
اﻟﺼﺤﻒ والمﺠﻼت
والمﻔ ﱢﻜﺮون ﻻ ﻳﺰاﻟﻮن ﻣﱰ ﱢددﻳﻦ ﺑين ﺗﺄﻣﻴﻢ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ أو ﻋﺪم ﺗﺄﻣﻴﻤﻬﺎ ،وﻟﻘﺪ ﺣﺪث
أن أ ﱠﻟﻔﺖ ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﻌﻤﺎل اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ اﻷﺧيرة ﰲ إﻧﺠﻠﱰا ﻟﺠﻨ ًﺔ ﻛﺒيرة ﻣﻦ المﺨﺘﺼين ورﺟﺎل
اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻟﺪراﺳﺔ ﻫﺬه المﺸﻜﻠﺔ ،واﻧﺘﻬﺖ اﻟﻠﺠﻨﺔ ﻣﻦ ﺑﺤﺜﻬﺎ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻹﻳﺼﺎء ﺑﻌﺪم اﻟﺘﺄﻣﻴﻢ ﺣﺮ ًﺻﺎ
ﻋﲆ ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺮأي وﻋﲆ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ ،وﺑﺬﻟﻚ ﻇ ﱠﻠﺖ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﺣﺮة ﻏير ُﻣﺆ ﱠﻣﻤﺔ ﰲ
إﻧﺠﻠﱰا ،ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﺣﺮة ﻏير ﻣﺆ ﱠﻣﻤﺔ ﰲ إﻳﻄﺎﻟﻴﺎ وأﻣﺮﻳﻜﺎ وﻓﺮﻧﺴﺎ ،وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻧﺮى أﺳﺘﺎذًا ﺟﺎﻣﻌﻴٍّﺎ
ﻓﺮﻧﺴﻴٍّﺎ ﻣﺜﻞ أﻟﺒير ﺑﺎﻳﻴﻪ ﻳﻘﻮل ﰲ ص ١٠٨ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﺬي ﺗﺮﺟﻤﻨﺎه ﻟﻪ ﻋﻦ »ﺗﺎرﻳﺦ إﻋﻼن
ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن«» :إن اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﰲ اﻟﺒﻼد اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻴﺔ ﻻ ﺗﺘﻤﺘﻊ إ ﱠﻻ ﺑﺤﺮﻳﺔ اﺳﻤﻴﺔ ،وإ ﱠن رﺟﺎل
اﻷﻋﻤﺎل ﻳﺴﻴﻄﺮون ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺳﻴﻄﺮة أﻗﴗ وأﺷﺪ ﴐ ًرا ﺑﺤﻴﺎة اﻟﺸﻌﻮب ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮة اﻟﺪوﻟﺔ«.
وذﻟﻚ ﻋﻨﺪ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﻋﻦ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻲ ﻳﻠﺠﺄ إﻟﻴﻬﺎ أﺻﺤﺎب رءوس اﻷﻣﻮال ﰲ اﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﲆ
ﺣﻴﺎة اﻟﺸﻌﻮب وﺣﻜﻮﻣﺎﺗﻬﺎ ،ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮل ﺑﻌﺪ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﻋﻦ ﻋ ﱠﺪة وﺳﺎﺋﻞ أﺧﺮى» :وﺛ ﱠﻤﺔ وﺳﻴﻠﺔ
أﺧﺮى أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻏﻠﺔ ،وﻫﻲ وﺿﻊ رﺟﺎل المﺎل أﻳﺪﻳﻬﻢ ﻋﲆ اﻟﺼﺤﻒ ﺑﺎﺳﻢ ﺣﺮﻳﺔ
اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ،وذﻟﻚ إ ﱠﻣﺎ ﺑﴩاﺋﻬﺎ وإ ﱠﻣﺎ ﺑﺎﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻤﻨﺤﻬﺎ اﻹﻋﻼﻧﺎت اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ أن
ﺗﻌﻴﺶ ﺑﺪوﻧﻬﺎ أو ﺣﺮﻣﺎﻧﻬﺎ ﻣﻨﻬﺎ ،وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻤ ﱠﻠﻜﻮن ﻫﺬا اﻟﺴﻼح اﻟﺨﻄير ﻧﺮاﻫﻢ ﻳﺴﺘﻌﻤﻠﻮﻧﻪ
ﺑﻄﺮق ﺛﻼث؛ أوﻻﻫﺎ :أن ﻳﻨ ﱢﻈﻤﻮا ﺣﻤﻼ ِت ﺳﺒﺎ ٍب وﺗﺸﻬير ﺿﺪ رﺟﺎل اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺮﻓﻀﻮن
ﻃﺎﻋﺘﻬﻢ ،وﻫﻨﺎك ورﻳﻘﺎت ﺧﺎﺻﺔ — ﺻﺤﻒ — ُﻣﺨ ﱠﺼﺼﺔ ﻟﻬﺬه اﻟﻐﺎﻳﺔ ،وﺛﺎﻧﻴﻬﺎ :اﺗﺨﺎذ
اﻟﺘﺪاﺑير اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻜﻲ ﺗﻔﻮز اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت المﻄﻴﻌﺔ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﺜﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻨﺠﺢ ﺑﻔﻀﻠﻬﺎ ﰲ ﻋﻘﺪ
اﻟﻘﺮوض ،وأﻣﺎ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﻌﺎﺻﻴﺔ ،ﻓﻤﺂﻟﻬﺎ إﱃ اﻻﻧﺤﺪار أﻣﺎم إذاﻋﺔ اﻟﺬﻋﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي
ال ُمﻨ ﱠﻈﻢ .وأﺧي ًرا ﺗﺄﺗﻲ اﻟﻄﺮﻳﻘﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ وﻫﻲ أﺧﻄﺮﻫﺎ ﺟﻤﻴ ًﻌﺎ؛ إذ ﻧﺮى اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ اﻟﻜﺒيرة ال ُمﻌ ﱠﺪة
إﻋﺪا ًدا ﻓﻨﻴٍّﺎ ﻗﻮﻳٍّﺎ ﺗﺒﺴﻂ ﺗﺄﺛيرﻫﺎ المﺒﺎﴍ ﻋﲆ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم؛ أي ﻋﲆ اﻟﻨﺎﺧﺒين ،وﺑﻔﻀﻞ اﻷﺧﺒﺎر
المﻐﺮﺿﺔ أو اﻟﻜﺎذﺑﺔ ﺗُﻤﲇ ﻋﲆ ﺟﺎﻧﺐ ﻛﺒير ﻣﻦ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم اﺗﺠﺎﻫﺎت ﺗﻔﻜيره«.
وﻫﻜﺬا ﻳﺠﺪ المﻔ ﱢﻜﺮون أﻧﻔﺴﻬﻢ ﰲ ﺣير ٍة ﺷﺪﻳﺪة ،ﻓﻬﻢ ﻳﺨﺸﻮن ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮة اﻟﺪوﻟﺔ
ﻋﲆ ﺟﻬﺎز ﺿﺨﻢ ﻛﺎﻟﺼﺤﺎﻓﺔ إذا دﻋﻮا إﱃ ﺗﺄﻣﻴﻤﻬﺎ ،وﻗﺪ ﺗﻌﺘﻮر اﻟﺪوﻟﺔ ﺣﻜﻮﻣﺎت اﺳﺘﺒﺪادﻳﺔ
ﻓﺎﺳﺪة أو ﻋﺎﺟﺰة ﻋﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﺤ ﱠﻘﺔ وﻣﻮاﻫﺐ أﺑﻨﺎﺋﻬﺎ اﻹﺑﺪاﻋﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ
ﺗﺰدﻫﺮ إ ﱠﻻ ﰲ ﺟ ﱢﻮ اﻟﺤﺮﻳﺔ ،وﻫﻢ ﻳﺨﺸﻮن ﻣﻦ ﺟﻬ ٍﺔ أﺧﺮى أن ﻳﺴﺘﻐ ﱠﻞ رﺟﺎ ُل المﺎل اﻟﺠﺸﻌﻮن
ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﰲ اﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﻠﻴﻬﺎ ،وﺗﺴﺨيرﻫﺎ ﰲ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ اﻟﻈﺎلمﺔ ﻋﲆ ذﻟﻚ
اﻟﻨﺤﻮ اﻟﻘﺎﺗﻢ المﺤﺰن اﻟﺬي ﺻ ﱠﻮره اﻷﺳﺘﺎذ أﻟﺒير ﺑﺎﻳﻴﻪ .وإﱃ اﻟﻴﻮم ﻻ أﻋﺮف ُﻣﻔ ﱢﻜ ًﺮا واﺣ ًﺪا
اﺳﺘﻄﺎع أن ﻳﻘﱰح ﺣ ٍّﻼ ﻟﻬﺬه المﺸﻜﻠﺔ اﻟﻌﻮﻳﺼﺔ.
49