Page 44 - الثقافة وأجهزتها
P. 44
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ وأﺟﻬﺰﺗﻬﺎ
ﻣﺬاﻫﺐ ﻓﻜﺮﻳﺔ أدﺑﻴﺔ ﻳَﻘﺒَﻞ اﻷدﺑﺎء والمﻔﻜﺮون اﻟﻨﺰول ﻋﻦ ﺟﺰء ﻣﻦ ﺣ ﱢﺮﻳﺘﻬﻢ وﻓﺮدﻳﺘﻬﻢ ﻟﻴﻠﺘ ﱡﻔﻮا
ﺣﻮﻟﻬﺎ وﻟﻴﻨﻬﻀﻮا ﺑﻌﻤﻞ ﺟﻤﺎﻋﻲ ،وﻳﺤ ﱢﻘﻘﻮا ﻫﺪ ًﻓﺎ ﻣﺸﱰ ًﻛﺎ ﻻ ﺑ ﱠﺪ أن ﺗﺠﺘﻤﻊ ﻋﻠﻴﻪ اﻷﻓﻜﺎر
واﻟﻘﻠﻮب واﻟﺴﻮاﻋﺪ ،وﻟﻌ ﱠﻞ أول ﻇﺎﻫﺮة ﻟﻬﺬه اﻟﺮوح اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ ﻫﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﺪﻋﻮة اﻟﺘﻲ ﻳﺴﺘﻤﻴﺖ
ﰲ ﺳﺒﻴﻠﻬﺎ اﻵن ﺟﻴﻠُﻨﺎ اﻷدﺑﻲ اﻟﻨﺎﻫﺾ ﻣﻦ اﻟﺸﺒﱠﺎن اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺴﻊ اﻟﻴﻮم ﻣﺠﺎ ُل ﻧﺸﺎﻃﻬﻢ اﻷدﺑﻲ
واﻟﻔﻨﻲ ﺷﻴﺌًﺎ ﻓﺸﻴﺌًﺎ ،وﻳﺴﻌﻮن ﺟﺎﻫﺪﻳﻦ ﻟﻴﺤ ﱢﻘﻘﻮا ﻓﻜﺮة اﻷدب ﰲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﺤﻴﺎة ،واﻷدب
ﰲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺸﻌﺐ والمﺠﺘﻤﻊ ،وﻳﺴﺘﻌيروا ﻟﻬﺬا اﻻﺗﺠﺎه اﻻﺻﻄﻼح المﻌﺮوف ﺑﺎﺳﻢ »اﻟﻮاﻗﻌﻴﺔ
اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ« .وﻗﺪ أﺧﺬت ﻫﺬه اﻟﻮاﻗﻌﻴﺔ اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ ﺗﺆﺗﻲ ﺑﻮاﻛير ِﺛﻤﺎرﻫﺎ ،وﺑﺨﺎﺻ ٍﺔ ﺑﻌﺪ ﻧﺠﺎح
ﺛﻮرﺗﻨﺎ ﺣﻴﺚ ﻧﺮى اﻵن اﻟﺪواوﻳﻦ وﻣﺠﻤﻮﻋﺎت اﻷﻗﺎﺻﻴﺺ واﻟﻘﺼﺺ والمﴪﺣﻴﺎت ﻳﺘﻮاﱃ
ﺧﺮوﺟﻬﺎ ﻣﻦ المﻄﺎﺑﻊ ،وﻛ ﱡﻠﻬﺎ ﺗﻌﺎﻟﺞ ﻣﺸﻜﻼت المﺠﺘﻤﻊ وﻣﻮاﺿﻊ آﻻم اﻟﺸﻌﺐ وآﻣﺎﻟﻪ وأﺷﻮاق
روﺣﻪ ﺑﺄﺳﻠﻮ ٍب واﻗﻌ ﱟﻲ ﺟﺎد .وﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﻚ ﰲ أ ﱠن ﻫﺬا اﻻﺗﺠﺎه اﻟﺠﺪﻳﺪ ﻗﺪ ﻛﺎن ذا أﺛ ٍﺮ ﻓ ﱠﻌﺎل
ﺟ ٍّﺪا ﰲ ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻌﺒﺌﺔ اﻟﺮوﺣﻴﱠﺔ اﻟﻮاﺳﻌﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻄﻌﻨﺎ ﺑﻔﻀﻠﻬﺎ أن ﻧُﺠﻨﱢﺪ اﻟﺸﻌﺐ ﻛ ﱠﻠﻪ
لمﻘﺎوﻣﺔ اﻟﻌﺪوان اﻟﺜﻼﺛﻲ ﻋﲆ ﻣﴫ أواﺧﺮ ﻋﺎم .١٩٥٦
وﻛﻢ ﻛﺎن ﺷﺎﺋ ًﻌﺎ أن ﻳﺮى ﺟﻤﻬﻮر اﻟﻘﺎﻫﺮة ﰲ أﺛﻨﺎء ﻫﺬا اﻟﻌﺪوان ُدور المﺴﺎرح ﻣﻔﺘﻮﺣﺔ
ﻋﲆ ِﻣﴫاﻋﻴﻬﺎ ﺑﺎلم ﱠﺠﺎن؛ ﻟﻴﺸﻬﺪ المﻮاﻃﻨﻮن ﺑﻌﺾ ﻣﴪﺣﻴﺎت اﻟﻜﻔﺎح اﻟﺸﻌﺒﻲ اﻟﺘﻲ ﻛﺘﺒﻬﺎ
ﻋﺪ ٌد ﻣﻦ أدﺑﺎﺋﻨﺎ اﻟﺸﺒﱠﺎن ،وﻧﺎﻟﺖ ﻧﺠﺎ ًﺣﺎ ﺷﻌﺒﻴٍّﺎ ﻣﻨﻘﻄﻊ اﻟﻨﻈير ،ﻣﺜﻞ ﻣﴪﺣﻴﺔ »ﻛﻔﺎح اﻟﺸﻌﺐ«
ﻟﻸﺳﺘﺎذ أﻧﻮر ﻓﺘﺢ ﷲ وزﻣﻴﻞ ﻟﻪ ،وﻫﻲ ﺗﺤﻜﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻣﻦ ﻣﺮاﺣﻞ ﻛﻔﺎح ﺳﻜﺎن اﻟﻘﺎﻫﺮة
اﻷﺑﻄﺎل ﺿﺪ اﻟﻐﺰو اﻟﻔﺮﻧﴘ ﰲ أواﺋﻞ اﻟﻘﺮن اﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﴩ ،أو ﻣﴪﺣﻴﺔ »دﻧﺸﻮاي اﻟﺤﻤﺮاء«
ﻟﻸﺳﺘﺎذ اﻟﺮﺣﻴﻤﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﻌ ِﺮض ﻣﺄﺳﺎة ﻗﺮﻳﺔ دﻧﺸﻮاي اﻟﺸﻬيرة ﰲ ﻣﺪﻳﺮﻳﺔ المﻨﻮﻓﻴﺔ.
ﻫﺬه أﻣﺜﻠﺔ ﺗﻮ ﱢﺿﺢ إﱃ ﺣ ﱟﺪ ﻛﺒير ﻛﻴﻒ أ ﱠن ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ اﻟﴩﻗﻲ ﻟﻢ ﻳﻐ ﱢير ﻣﻦ ﻧﻈﺮﺗﻪ ال ُم ِﺮﻳﺒﺔ إﱃ
المﴪح والمﺸﺘﻐﻠين ﺑﻪ ﻓﺤﺴﺐ ،ﺑﻞ أﺻﺒﺢ ﻳﻨﻈﺮ إﱃ دور المﴪح ﻛﻤﻌﺎﻫ َﺪ ﻻ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ واﻟﻔﻬﻢ
واﻟﺘﻮﺟﻴﻪ وﺣﺪﻫﺎ ،ﺑﻞ ﻟﻠﺘﻌﺒﺌﺔ اﻟﺮوﺣﻴﺔ أﻳ ًﻀﺎ ﰲ أﺧﻄﺮ ﻣﺮاﺣﻞ ﺗﺎرﻳﺨﻨﺎ وﻛﻔﺎﺣﻨﺎ المﻘﺪس ﻣﻦ
أﺟﻞ اﻟﺤﺮﻳﺔ واﻻﺳﺘﻘﻼل واﻟﻜﺮاﻣﺔ.
وﻗﺪ اﻧﺒﻨﻰ ﻋﲆ ﻫﺬا اﻟﺘﻐ ﱡير اﻟﻮاﺳﻊ ﰲ ﻧﻈﺮة ﺟﻤﻬﻮرﻧﺎ إﱃ المﴪح وﻏيره ﻣﻦ أﻟﻮان اﻷدب
واﻟﻔﻦ أن اﻫﺘﻤﺖ ﺛﻮرﺗُﻨﺎ اﻟﻨﺎﻫﻀﺔ ﺑﻬﺬا اﻟﻠﻮن ﻣﻦ اﻟﻨﺸﺎط اﻟﺤﻴﻮي ،ﻓﺄﻧﺸﺄت المﺠﻠﺲ اﻷﻋﲆ
ﻟﺮﻋﺎﻳﺔ اﻟﻔﻨﻮن واﻵداب ﺑﻠِﺠﺎﻧﻪ المﺨﺘﻠﻔﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺪرس ﻛ ﱡﻞ ﻟﺠﻨﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻨٍّﺎ ﻣﻦ اﻟﻔﻨﻮن؛ ﻟﺘﺘﺒ ﱠين
ﻣﺼﺎدره واﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻪ وﻏﺎﻳﺎﺗﻪ ،وﺗﻌﻤﻞ ﻋﲆ ﺗﺸﺠﻴﻌﻪ ﺑﺠﻤﻴﻊ اﻟﺴﺒﻞ ،وﻣﻦ ﺑين ﻫﺬه اﻟﻠﺠﺎن
ﻟﺠﻨﺔ ﻟﻠﻤﴪح أﺗﴩف ﺑﻌﻀﻮﻳﺘﻬﺎ ،وﻫﻲ ﺗﻮاﱄ اﺟﺘﻤﺎﻋﺎﺗﻬﺎ ﻛ ﱠﻞ أﺳﺒﻮع؛ ﻟﱰﺳﻢ اﻟﺨﻄﻂ
44