Page 41 - الثقافة وأجهزتها
P. 41
المﴪح
ﰲ ﺣين ﻧﺮاه ﻳﺘﻤﺘﱠﻊ ﺑﻜ ﱢﻞ ﻫﺬه اﻟﺨﺼﺎﺋﺺ ﻋﻨﺪ اﻟﻐﺮﺑﻴين ،وﰲ ﺑﻴﺌﺎﺗﻪ اﻟﺬي ﻧﺸﺄ ﻓﻴﻬﺎ وﺗﺄ ﱠﺻﻞ،
ﺑﻞ اﻛﺘﺴﺒﺖ ﻧﺸﺄﺗﻪ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ اﻟﻘﺪاﺳﺔ ﺑﺤﻜﻢ ازدﻫﺎره ﰲ ﻛﻨﻒ اﻟﺪﻳﺎﻧﺎت ،واﻋﺘﺒﺎره ﻣﻈﻬ ًﺮا
ﺣﻀﺎرﻳٍّﺎ وإﻧﺴﺎﻧﻴٍّﺎ ﺑﺎﻟﻎ اﻷﻫﻤﻴﺔ ﰲ ﻋﺼﻮر اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻷوروﺑﻲ المﺨﺘﻠﻔﺔ.
وإذن ﻓﻘﺪ وﻓﺪ إﻟﻴﻨﺎ ﻓ ﱡﻦ المﴪح ﻣﻦ أوروﺑﺎ ،وﻧﻈﺮ إﻟﻴﻪ ﺟﻤﻬﻮرﻧﺎ وﺑﺨﺎﺻ ٍﺔ اﻟﻄﺒﻘﺎت
المﺤﺎ ِﻓﻈﺔ ﰲ رﻳﺒ ٍﺔ وﺣﺬر ،ﺑﻞ ﻧﻈﺮة اﺣﺘﻘﺎر ﻟﺮﺟﺎﻟﻪ وﻧﺴﺎﺋﻪ؛ وﻟﺬﻟﻚ ﻇ ﱠﻞ ﺟﻤﻬﻮرﻧﺎ ﻳﻨﻈﺮ إﻟﻴﻪ
ﻧﻈﺮة اﻟﺘﺴﻠﻴﺔ اﻟﺮﺧﻴﺼﺔ إن ﻟﻢ ﺗﻜﻦ المﻨﺒﻮذة ،ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﺴﻬﻞ أن ﻳُﻼ ِزم ﻇﻬﻮر المﴪح
ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻇﻬﻮر أد ٍب ﺗﻤﺜﻴﲇ رﻓﻴﻊ .وﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻌ ﱡﺪد اﻟﻔﺮق المﴪﺣﻴﺔ ودور المﴪح ،ﻓﺈﻧﻪ
ﻟﻢ ﺗُﻄﺒَﻊ ﻣﴪﺣﻴﺎت ﻟﺘﻨﴩ وﺗﺼﺒﺢ ﺟﺰءًا ﻣﻦ ﺗﺮاﺛﻨﺎ اﻷدﺑﻲ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ اﻟﺤﺎل ﻋﻨﺪ اﻟﻐﺮﺑﻴين
ﺑﻌﺪ ﻣﺮور ﻣﺎ ﻳﻘﺮب ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ أرﺑﺎع اﻟﻘﺮن إ ﱠﻻ ﰲ ﻋﺎم ،١٩٢٧وﻫﻲ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ اﺑﺘﺪأ
ﻓﻴﻬﺎ ﺷﺎﻋﺮﻧﺎ اﻟﻜﺒير أﺣﻤﺪ ﺷﻮﻗﻲ ﻳﻨﴩ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﴪﺣﻴﺎﺗﻪ اﻟﺸﻌﺮﻳﺔ المﻌﺮوﻓﺔ» :ﻣﴫع
ﻛﻠﻴﻮﺑﺎﺗﺮا« و»ﻣﺠﻨﻮن ﻟﻴﲆ« و»ﻋﻨﱰة« و»ﻗﻤﺒﻴﺰ« و»ﻋﲇ ﺑﻚ اﻟﻜﺒير« و»أﻣيرة اﻷﻧﺪﻟﺲ«
اﻟﻨﺜﺮﻳﺔ ،ﺛﻢ اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ »اﻟﺴﺖ ﻫﺪى« اﻟﺸﻌﺮﻳﺔ ،وﰲ اﻟﻔﱰة ﻧﻔﺴﻬﺎ أﺧﺬ اﻷدﻳﺒﺎن اﻟﻜﺒيران
ﺗﻮﻓﻴﻖ اﻟﺤﻜﻴﻢ وﻣﺤﻤﻮد ﺗﻴﻤﻮر ﻳﻨﴩان ﻣﴪﺣﻴﺎﺗﻬﻤﺎ اﻟﻨﺜﺮﻳﺔ اﻟﻜﺜيرة ،ﻛﻤﺎ اﺳﺘﺄﻧﻒ اﺗﺠﺎه
ﺷﻮﻗﻲ ﰲ المﴪح اﻟﺸﻌﺮي ﺷﺎﻋﺮﻧﺎ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪي المﻌﺎﴏ ﻋﺰﻳﺰ أﺑﺎﻇﺔ اﻟﺬي أ ﱠﻟﻒ ﰲ ﺷﻌ ٍﺮ رﺻي ٍن
ﻣﴪﺣﻴﺎت »ﻗﻴﺲ وﻟﻴﲆ« و»اﻟﻌﺒﺎﺳﺔ« و»ﺷﺠﺮة اﻟﺪر« و»ﻏﺮوب اﻷﻧﺪﻟﺲ« و»ﺷﻬﺮﻳﺎر«،
وأﺧي ًرا المﴪﺣﻴﺔ اﻟﺸﻌﺮﻳﺔ اﻟﻌﴫﻳﺔ »أوراق اﻟﺨﺮﻳﻒ«.
ﻫﺬا وﻣﻦ اﻟﺤﻖ أن ﻧﻘ ﱢﺮر أن اﻫﺘﻤﺎم ﺷﺎﻋﺮﻧﺎ اﻟﻜﺒير أﺣﻤﺪ ﺷﻮﻗﻲ ﺑﺎلمﴪح ﻟﻢ ﻳﺒﺘﺪئ ﰲ
ﺳﻨﺔ ،١٩٢٧ﺑﻞ اﺑﺘﺪأ ﻣﻨﺬ وﺟﻮده ﰲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻮ َﻓ ًﺪا ﻣﻦ اﻟﺨﺪﻳﻮي ﰲ ﺑﻌﺜﺔ ﻋﻠﻤﻴﱠﺔ ﻟﺪراﺳﺔ
اﻟﻘﺎﻧﻮن واﻹلمﺎم ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ،ﺣﻴﺚ ﻧﺮاه ﻳﺒﺪأ ﰲ ﻋﺎم ١٨٩٣م ﺑﺘﺄﻟﻴﻒ أول ﻣﴪﺣﻴﺔ
ﺷﻌﺮﻳﺔ ﻣﺘﺄﺛﱢ ًﺮا ﺑﻤﺎ ﺷﺎﻫﺪه ﰲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ،وﻫﻲ اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻷوﱃ ﻣﻦ ﻣﴪﺣﻴﺔ »ﻋﲇ ﺑﻚ اﻟﻜﺒير«
اﻟﺘﻲ أﻋﺎد ﻛﺘﺎﺑﺘﻬﺎ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ،وﺻﺎﻏﻬﺎ ﺻﻴﺎﻏ ًﺔ ﺷﻌﺮﻳ ًﺔ ﺟﺪﻳﺪ ًة ،ﺑﻌﺪ أن اﻛﺘﻤﻠﺖ ﻟﻪ ﺷﺎﻋﺮﻳﺘﻪ،
وﺗﻤ ﱠﻠﻚ ﻧﺎﺻﻴ َﺔ اﻟﻔﻦ اﻟﺸﻌﺮﻳﺔ ﰲ أﺧﺮﻳﺎت ﺣﻴﺎﺗﻪ ،وﻟﻜﻨﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺒﺪو ﻛﺎن ﻣﺘﻬﻴﱢﺒًﺎ ﺗﻠﻚ المﺤﺎوﻟﺔ،
وﰲ اﺳﺘﻄﺎﻋﺘﻨﺎ أن ﻧُﻠ ﱢﻤﺢ ﻫﺬا اﻟﺘﻬﻴﱡﺐ ﰲ المﻘ ﱢﺪﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺘﺒﻬﺎ ﰲ اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻷوﱃ ﻟﺪﻳﻮاﻧﻪ؛ إذ
ﻳﺤﺎول ﺗﱪﻳﺮ اﻟﺨﺮوج ﻋﲆ ﺗﻘﺎﻟﻴﺪ اﻟﺸﻌﺮ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺬي ﻻ ﻳﻌﺮف ﻏير اﻟﻘﺼﺎﺋﺪ ،وﻳﺼﻒ
ﻫﺬه اﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ »ﺑﺎﻷﻓﻌﻮان اﻟﺬي ﻻ ﻳﺆﺧﺬ إ ﱠﻻ ﻣﻦ ﺧﻠﻒ وﺑﺄﻃﺮاف اﻟﺒﻨﺎن «.وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻟﻢ ﺗﻠ َﻖ
ﻫﺬه المﴪﺣﻴﺔ ﻏير ﻗﺒﻮل ﻓﺎﺗﺮ؛ ﻣ ﱠﻤﺎ ﻓ ﱠﻀﻞ ﻣﻌﻪ ﺷﻮﻗﻲ أن ﻳﻌﻮد إﱃ اﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ وإﱃ اﻟﺪروب
المﻄﺮوﻗﺔ ،وأن ﻳﺤﺎول ﻗﺒﻞ ﻛ ﱢﻞ ﳾء أن ﻳﻜﻮن ﺷﺎﻋﺮ اﻷﻣﺮاء؛ ﻟﻜﻲ ﻳﺼﺒﺢ أﻣير اﻟﺸﻌﺮاء.
وﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن ﺷﻮﻗﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ أﺧﺬ ﻳﻜﺘﺐ ﻟﻠﻤﴪح ﻛﺎن ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﻗﺪ ﺗﻄ ﱠﻮر ،وأﺻﺒﺢ
اﻟﻨﺜﺮ ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻋﻠﻴﻪ ،ﻛﻤﺎ أ ﱠن اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ اﻟﺸﻌﺮﻳﺔ المﻘﺼﻮرة ﻋﲆ ﺣﻴﺎة وأﺷﺨﺎص المﻠﻮك واﻟﻨﺒﻼء
41