Page 39 - الثقافة وأجهزتها
P. 39
المﴪح
ﰲ ﻋﴫﻧﺎ اﻟﺤﺎﴐ ،ﺑﻞ رأﻳﻨﺎ ﻋﺪ ًدا ﻣﻦ اﻷدﺑﺎء ﰲ ﺑﻼد اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻳﺠﻨﺤﻮن إﱃ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻠﻐﺔ
اﻟﺪارﺟﺔ ﺑﺪل اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻔﺼﺤﻰ المﻨﺘﻘﺎة ﻛﺄداة ﺣﻮار ﰲ المﴪح ،ﺑﻞ ﰲ ﺑﻌﺾ أﺟﺰاء اﻟﻘ ﱠﺼﺔ
أﺣﻴﺎﻧًﺎ ،وإن ﻳﻜﻦ اﻷﻣﺮ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺠﻬﻞ واﻟﺘﺨ ﱡﻠﻒ ﻗﺪ ﺗﺠﺎوز ازدواج اﻟﻠﻐﺔ ﰲ ﻓﺼﻴﺤﺔ
ودارﺟﺔ إﱃ ازدواﺟﻬﺎ ﰲ ﻓﺼﻴﺤﺔ وﻋﺎﻣﻴﱠﺔ ،ﺑﻞ ﰲ ﻋ ﱠﺪة ﻟﻬﺠﺎت ﻋﺎﻣﻴﺔ ﰲ أﻗﻄﺎرﻧﺎ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ
اﻟﺘﻲ اﻧﻔﺼﻤﺖ ُﻋﺮى وﺣ َﺪ ِﺗﻬﺎ َر َد ًﺣﺎ ﻃﻮﻳ ًﻼ ﻣﻦ اﻟﺰﻣﻦ ،ﺧﻀﻌﺖ ﻓﻴﻪ ﻟﻼﺳﺘﻌﻤﺎر اﻷﺟﻨﺒﻲ.
المﴪح اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ
ﺗﻠﻚ ﻛﺎﻧﺖ ﺣﺎل المﴪح واﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ﰲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷوروﺑﻲ ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﴩ ﻋﻨﺪﻣﺎ
أﺧﺬت ﻋﻼﻗﺘﻨﺎ ﺑﺬﻟﻚ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺗﺘﻮﺛﱠﻖ ،وأﺧﺬﻧﺎ ﻧﻨﻘﻞ ﻋﻨﻪ ﺑﻌﺾ ﻓﻨﻮﻧﻪ ،وﺑﺨﺎﺻ ٍﺔ ﻓﻦ المﴪح
اﻟﺬي ﻳﻠﻮح أ ﱠن أول ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻹﻳﺠﺎده ﰲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻗﺪ ﻇﻬﺮت ﰲ ﺑيروت ﺳﻨﺔ ١٨٤٨م
ﺑﻔﻀﻞ اﻟﺘﺎﺟﺮ اﻟﺠ ﱠﻮال ﻣﺎرون ﻧﻘﺎش ،ﺛﻢ اﻧﺘﴩ ﰲ المﴩق اﻟﻌﺮﺑﻲ ﺑﻤﺪن ﻟﺒﻨﺎن وﺳﻮرﻳﺔ ،إﱃ
أن اﻧﺘﻘﻞ إﱃ ﻣﴫ ﺣﻴﺚ ﺗﺄ ﱠﻗﻠﻢ وازدﻫﺮ ﺑﻔﻀﻞ اﺗﺴﺎع اﻹﻣﻜﺎﻧﻴﺎت وﻛﺜﺮة ﻋﺪد اﻟﺠﻤﻬﻮر.
ﻫﺬا وﰲ اﻋﺘﻘﺎدي أﻧﻨﺎ — ﻧﺤﻦ اﻟﻌﺮب — ﻗﺪ أﺧﺬﻧﺎ ﻓ ﱠﻦ المﴪح ﻋﻦ أوروﺑﺎ ،وﻟﺴﺖ أرى
ﺟﺪوى ﰲ المﻤﺎﺣﻜﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮم ﺑﻬﺎ ﺑﻌ ُﺾ اﻟﺒﺎﺣﺜين ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮوﺣﻮن ﻳﻠﺘﻤﺴﻮن ﺑﺬو ًرا ﻟﻬﺬا
اﻟﻔﻦ اﻧﺤﺪرت إﻟﻴﻨﺎ ﻋﻦ اﻟﻌﺮب اﻟﻘﺪﻣﺎء ،أو ﻋﻦ اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ ﰲ ُﺻ َﻮر أدﺑﻴﺔ أو ﺷﻌﺒﻴﺔ ﺑﺎﻫﺘﺔ.
ﻓﻤﻦ المﺆ ﱠﻛﺪ أن اﻟﻌﺮب اﻟﻘﺪﻣﺎء ﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻮا ﻓ ﱠﻦ المﴪح وﻻ ﺣﺎوﻟﻮه ،وأن أﺳﺎﻃيرﻫﻢ
اﻟﻮﺛﻨﻴﺔ أو ﻏير اﻟﻮﺛﻨﻴﺔ ﻟﻢ ﺗﺘﺨﺬ ﻗ ﱡﻂ ﺻﻮرة المﴪح أو اﻷدب اﻟﺘﻤﺜﻴﲇ ،ﻛﻤﺎ أﻧﱠﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻨ ُﻘﻠﻮا
ﻫﺬا اﻟﻔﻦ ﻋﻦ اﻟﻴﻮﻧﺎن ﰲ ﻋﴫ اﻟﱰﺟﻤﺔ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﻘﻠﻮا ﻓﻠﺴﻔﺘﻬﻢ ﻣﺜ ًﻼ؛ وذﻟﻚ ﻷ ﱠن المﴪح اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ
ﻛﺎن وﺛﻴﻖ اﻟﺼﻠﺔ ﺑﺪﻳﺎﻧﺘﻪ اﻟﻮﺛﻨﻴﺔ ،وﻛﺎن أﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻳﻜﻮن ﻋﻦ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺮوﺣﻴﺔ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤين،
وإذا ﻛﺎن ﻣﺘﱠﻰ ﺑﻦ ﻳﻮﻧﺲ ﻗﺪ ﻧﻘﻞ ﻋﻦ أرﺳﻄﻮ ﻛﺘﺎب »اﻟﺸﻌﺮ« اﻟﺬي ﻳﺘﺤﺪث ﻓﻴﻪ اﻟﻔﻴﻠﺴﻮف
اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ ﻋﻦ ﻓﻨﻮن اﻟﺸﻌﺮ المﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻤﺎ ﰲ ذﻟﻚ ﻓﻨﱠﺎ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ واﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ،ﻓﺈ ﱠن ﻣﺘﱠﻰ ﻟﻢ
ﻳﺴﺘﻄﻊ ﻓﻬﻢ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﻢ ،وﻣﻦ ﺛَ ﱠﻢ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﻧﻘﻠﻪ ﻋﲆ ﻧﺤ ٍﻮ ﻳﻤﻜﻦ ﻓﻬ ُﻤﻪ ،وﻻ أد ﱠل ﻋﲆ ذﻟﻚ ﻣﻦ
أن ﻧﺮاه ﻳُﱰ ِﺟﻢ ﻛﻠﻤﺔ ﺗﺮاﺟﻴﺪﻳﺎ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﻓﻦ المﺪﻳﺢ ،وﻳﱰﺟﻢ ﻓ ﱠﻦ اﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ﺑﻔﻦ اﻟﻬﺠﺎء؛ وذﻟﻚ
ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺘﻔﺴير ﺧﺎﻃﺊ وﻓﻬﻢ ﻣﻀﻠﻞ ﻟﺘﻌﺮﻳﻒ أرﺳﻄﻮ ﻓﻦ اﻟﱰاﺟﻴﺪﻳﺎ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﻓ ﱞﻦ ﺟﺎ ﱞد ﻳﺸﻴﺪ
ﺑﺎﻟﺒﻄﻮﻟﺔ ،واﻟﻜﻮﻣﻴﺪﻳﺎ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﻓ ﱞﻦ ﺿﺎﺣﻚ ﻳﺴﺨﺮ ﻣﻦ اﻟﻌﻴﻮب والمﺜﺎﻟﺐ .وﻓﻀ ًﻼ ﻋﻦ ذﻟﻚ ﻛ ﱢﻠﻪ
ﻟﻢ ﻳﻜﻦ لمﺘﱠﻰ ﺑﻦ ﻳﻮﻧﺲ ،وﻻ ﻟﻐيره ﻣﻦ المﱰﺟﻤين ِﻋ ْﻠ ٌﻢ ﺑﺼﻮرة ﻫﺬﻳﻦ اﻟﻔﻨين وﻻ ﺑﻨﻤﺎذج ﻟﻬﻤﺎ،
وﻗﺪ ﺿ ﱠﻠﻠﺖ ﻫﺬه اﻟﱰﺟﻤﺔ اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ ﻛﺒﺎر اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ اﻟﻌﺮب أﻧﻔﺴﻬﻢ ﻋﲆ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻧﺸﺎﻫﺪ ﰲ
ﺗﻌﻠﻴﻘﺎﺗﻬﻢ ﻋﲆ ﻛﺘﺎب اﻟﺸﻌﺮ ،وﻫﻲ اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎت اﻟﺘﻲ أﻋﺎد ﻧﴩﻫﺎ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﺪوي
39