Page 49 - Pp
P. 49
بعد منتصف الليل في البيت ،قبل أن يغفو حامد ،وهو في فراشه،
داهمه ضباب سرعان ما انقشع ،وجد حامد نفسه على شاطئ
النهر ،وكانت هناك مركب مثل تلك التي رآها في لوحة الواسطي،
وثلاثة رجال يجلسون على اليمين وخمسة على اليسار ،صاح
أحدهم :اد ُن منا يا حامد ،لا تخف.
قال حامد :أحلِّفك بمن تستدفع به الأذى ،من أنتم؟
قال الشخص نفسه :هؤلاء أبطا ٌل من مقامات الحريري وأنا
الواسطي ،سراج الغرباء وتاج الأدباء ،لم يبق عندي مهجة ،فقد
تعبت من الفرجة ،قد خرجت مع هؤلاء القوم من قاعة كولبنكيان،
فما رأيت الإنس في طريقي بل الجان ،فهالني أمركم وافتضح
س ُّركم ،قد عبثتم بالهواء فغدا هو والكنيف سواء ،ل َّوثتم ماء النهر
فماتت الأسماك وحرثتم الأرض فما نبتت سوى الأشواك ،ما
استعبرتم عينًا تدمع ولا اعتبرتم بنعي ُيسمع ،لا ترتاعون لإلف
ُيف َقد ولا تلتاعون لمناحة ُتع َقد ،عجبي عليكم ،كشفتم عن رؤوسكم
وسترتم وجوه نسائكم ،ألا والذي ز َّين العيون بال َح َور ،وجعلني
أرسم أحداث مقامات الحريري بالصور ،قد عزمت العودة إلى
مكاني في قاعة كولبنكيان ،فأعلق نفسي على حائطها ،فلا مكان
لي بينكم ،بعد أن أسفت على حالكم وعيشتكم.
قال حامد :هل هو قرارك النهائي؟
قال :لا رجوع عنه.
قال حامد :رافقتك السلامة ،موعدنا غ ًدا في كولبنكيان.
عاد الضباب من جديد وانتشر فما اهتدى حامد إلى نومه إلا
بعد جهد.
49