Page 20 - التربية المقارنة_Neat
P. 20

‫وأمـا أهـل الأنـدلس فمـذهبهم تعليم القرآن والكتـاب من حيـث هو‪ ،‬وهـذا مـا يراعونـه في التعليم ‪ .‬إلا أنـه‬
‫لمـا كان القرآن أصــــل ذلك‪ ،‬ويتبعـه العلوم جعلوه أصــــلاً في التعليم‪ ،‬فلا يقتصــــرون لذلك عليـه فقط‪ ،‬بل‬
‫يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشــعر في الغالب والترســل‪ ،‬وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد‬

                                                                                   ‫الخط والكتاب‪.‬‬
‫وأمـا أهـل إفريقيـة فيخلطون في تعليمهم للولـدان القرآن بـالحـديـث في الغـالـب ودراســــة قوانين العلوم‬
‫وتلقين بعض مســـائلها‪ ،‬إلا أن عنايتهم بالقرآن و اســـتظهار الولدان إياه‪ ،‬وأطلعوهم على اختلاف رواياته‬

                                                                          ‫وقراءاته أكثر مما سواه‪.‬‬
‫وأمـا أهـل الشــــرق فيخلطون في التعليم كـذلـك على مـا يبلغنـا و لا أدرى بـأيهم اعتنوا والـذي ينقـل أن‬
‫عنايتهم بدراسـة القرآن ووصـف العلم وقوانينه من زمن الشـبيبة و لا يخلطون بتعليم الخط‪ ،‬بل إن لتعليمه‬

                               ‫عندهم قانون وله معلمون يعلمونه على انفراد كما تتعلم سائر الصنائع ‪.‬‬
‫أمـا الآثـار التربويـة النـاجمـة عن هـذا الاختلاف في طرق تعليم القرآن الكريم فيوضــــحهـا ابن خلـدون‬
‫على النحو التالي ‪ :‬بالنســـبة لطريقة أهل المغرب أدت إلى قصـــور ملكة اللســـان العربي لديهم‪ ،‬لأنهم لم‬
‫يدرســوا شــيئا من كلام العرب في حياتهم‪ ،‬أما أهل الأندلس فأفادتهم طريقتهم من التمكن من اللغة العربية‬
‫وحصـول ملكتها والبراعة في الخط والأدب‪ ،‬إذا ما حصـلت لهم فر تعزيزها وتثبيتها بعد تعليم الصـبا‪،‬‬
‫أما أهل أفريقية فهم أحسـن حالاً من أهل المغرب في إجادة ملكة اللسـان العربي إلا أن ملكتهم قاصـرة عن‬

                                                                                          ‫البلاغة‪.‬‬
‫ولم يقتصـر ابن خلدون على وصـف الحالة التعليمية في مختلف الحواضـر والأمصـار الإسـلامية بل‬
‫تحدث عن أمصـار غير إسـلامية فيقول " بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسـفية ببلاد الفرنجة من أرض‬
‫رومه وما إليها من العدوة الشـمالية نافقة الأسـواق‪ ،‬وأن رسـومها هناك متجددة‪ ،‬ومجالس تعليمها متعددة‪،‬‬

                                                        ‫ودواوينها جامعة متوفرة‪ ،‬وطلبتها متكثرة"‪.‬‬
‫وفى موضـــع آخر يصـــف مقدار تقدم العلوم العقلية أو علوم الفلســـفة والحكمة عند الفرس والروم‬
‫فيقول ‪ " :‬وأمــــا الفــرس‪ ،‬فكان شــأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيماً ونطاقها متسعــــاً‪ ،‬لما كانت عليه‬
‫دولهم من الضـــخامة واتصـــال الملك ‪ ...........‬وأما الروم فكانت تهتم بالعلوم العقليه أيضـــاً‪ ،‬وكان لهذه‬

                 ‫العلوم بينهم مجال رحب‪ ،‬وحملها مشاهير من رجالهم مثل أساطير الحكمة و غيرهم "‪.‬‬
‫وقد فسـر ابن خلدون في القرن الرابع عشـر الميلادي قضـية مهمة شـغلت مفكري التربية في عصـر‬
‫النهضــة والإصــلاح الديني في أوروبا بعد ذلك‪ ،‬وهى مكان التعليم الديني بالنســبة للتعليم بصــفة عامة‪،‬‬
‫وبـالرغم من أن ابن خلـدون معروف بين المؤرخين الغربيين غير المتحيزين على أنـه مؤســــس علم‬
‫الاجتماع إلا أن إشـارته لنظم التعلم في البلدان الإسـلامية في عصـره جعلت اسـمه يرد ضـمن رواد التربية‬

                                            ‫المقارنة في الفترة السابقة للقرن التاسع عشر في أوروبا‪.‬‬

‫قائمة الموضوعات‬  ‫‪20‬‬
   15   16   17   18   19   20   21   22   23   24   25