Page 140 - merit 46 oct 2022
P. 140
العـدد 46 138
أكتوبر ٢٠٢2
البوح الاسترجاعي موري بلوندل
إننا أمام بوح استرجاعي ،واعترافي مغلف هذه التقنية أرخت نو ًعا من الغموض لدى القارئ،
بالحاضر ،تحاول من خلاله الساردة أن تخلق وجعلته يتقمص الدور ويعيشه ،ويسمي نفسه
أحدا ًثا حاضرة من زمن مضى ،ويظهر ذلك من
خلال تقنية الحوار ببعديه الخارجي والداخلي، باسم الساردة ،فلماذا لم تكشف عن اسمها ،ولماذا
«نظر لها فأرفت :أشعر أن هناك فتاة أخرى داخلي غابت أسماء الشخصيات المشاركة؟ ألسنا هنا في
تعشق الظلام ،تستيقظ في جسدي بعد أن أنام فضاء إبداعي ،يتيح التعبير والقول؟ هل احتاطت
وتعبث بتركيبتي النفسية ،تعيد هيكلة أفكاري
وقناعاتي»(« ،)3أمسك يديها الباردتين وجذبهما إلى من القارئ الرصين ،الذي قد يعمل على تأويل
صدره ،واض ًعا يده فوق رأسها يهدهدها ويتمتم: معاني الأسماء ويكشف خيو ًطا مضمرة في هذا
جمي ًعا نخاف الموت»(.)4 الخطاب الروائي؟
فاسترجاع الماضي يحول بينه وبين تذكر الذات نستشف من خلال تتبع خيوط البوح داخل ليالي
عائ ًقا قو ًّيا ،إذ إن الذاكرة البشرية أثناء قيامها ما بعد الهدنة ،أن المبدعة استطاعت -بضمير
بعملية التذكر «تستلزم مجهو ًدا عقليًّا قد يطول الساردة -أن تقحم القارئ في الأحداث ،ليصبح
الوصول إليه في بعض الحالات ،وقد ينتهي مشار ًكا معها حزنها وألمها وأرقها وقلقها
بالفشل لصعوبة التذكر ،وعندما يريد الإنسان وهلوساتها الوجودية ،فأصبح الخوف شعو ًرا
استحضار الماضي ،تتسارع إلى مخيلته ذكريات متباد ًل بين الطرفين ،إنه اعتراف بمكنونات النفس
وخيالات وصور ورموز تكون مختزنة في وعيه ولا ومخبوئها ،ولا يستثنى في هذا الصدد ،أن ندرج
الاعترافات ودورها ضمن الأجناس المقاربة ،التي
وعيه»(.)5 اندفعت فيها صاحبتها بطريقة سردية استعادية،
فهذه الرحلة عبر بحر الذاكرة التي أقحمت فيه إلى منطقة مثيرة وحساسة وخطيرة في منجزها
الروائي ،لتسرد وتصف على لسانها شخصيتها
الساردة القارئ ،حاكية عن تقلباتها النفسية المرتجفة والقلقة وأخطاءها وخطاياها وسلبياتها
والشعورية تجاه ذلك الخمسيني ،تشبه بحثًا عن بأسلوب اعترفي صريح ،بمعنى أن الاعترافات هو
بقايا وشتات الماضي ،إنها «سفر في الزمن من أجل
القبض على هذا المنفلت من زمن حياة الشخصية، فن تعري الكاتب أمام القارئ.
الذي بقدر ما يهمه مراجعة هذا السجل الحافل
من الذاكرة النائمة ،يهمه أي ًضا الهروب من مأزق
اللحظة ،والتهاب الصيرورة المتزامنة مع لحظة
الكتابة ،قصد اللوذ بما ٍض تليد لا تزال الذاكرة
الشخصية تستعذبه بشغف وحنين .ذاك الماضي
الذي عاشته الشخصية بوعي طفولي مهزوز ،لم
تتح لها الظروف الملتهبة أن تعيشه بذاك التقدير
الذي تستشعره لحظة الكتابة»(.)6
إن ما باحت به الساردة ،يظهر أن قلبها راية
مرفوعة في السماء ،تحركها رياح العاطفة والشوق
والحنين ،تقول في متنها الحكائي (اللية السادسة
عشر)« :في أحيان كثيرة أستغرب نفسي ،لطالما
أنجذب للعلاقات التي تضعني فوق فوهة البركان،
العلاقات التي تعتصرني بنبضها غير المنتظم،