Page 43 - ميريت الثقافية العدد (32)- أغسطس 2021
P. 43

‫‪41‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

     ‫رؤى نقدية‪-‬حوار‬                                  ‫في روايتك ضمير المتكلم‪ ،‬من هو المتكلم؟‬

    ‫حاورته‪ :‬خديجة نايلي‬                                  ‫المتكلم في الرواية مسألة إشكالية وحالة تعبيرية‬
                                                        ‫أو تواصلية مربكة ج ًّدا‪ ،‬فقد يكون وجهة نظر أو‬
    ‫(الجزائر)‬                                        ‫شخصية إشكالية ج ًّدا‪ .‬في هذه الرواية تحدي ًدا أعتقد‬
                                                         ‫أن المتكلم هو تاريخ الفترة التي يتناولها العمل‪.‬‬
‫مال ولا في عوالم صناع القرار على اختلاف الدوائر‪.‬‬        ‫الشخصيات كلها تندرج ضمن نسق الاجتماعي‪،‬‬
  ‫ولكي أعود إلى سؤالك فإن التصوير ‪-‬تما ًما مثلما‬      ‫هي طب ًعا أطياف مختلفة من هذا النسق‪ ،‬كل واحدة‬
 ‫هي حال السينما أو الكتابة‪ -‬لا يعدو أن يكون أحد‬       ‫والملمح الاجتماعي الذي تمثله‪ .‬وخصوصية الرواية‬
                                                        ‫قد تكون في أنها خالية من الشخصيات المتحفظة‪.‬‬
‫المداخل المتنوعة إلى الحياة‪ ،‬هو كوة من خلالها حدث‬        ‫وربما تكون النتيجة التي ظهرت ‪-‬والتي أعترف‬
‫لهذا الشخص‪ /‬الشخصية أن يطل على التاريخ الذي‬           ‫أنني لم اقصدها‪ -‬هي رفع كل أصناف التحرج عن‬
 ‫شهده‪ ..‬فهو رجل عشق التصوير فوجد أن مقاربته‬            ‫هؤلاء الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام كاتب‬
 ‫للحياة لا تستطيع ألا تمر بغرفة تحميض وبكاميرا‪،‬‬       ‫صامت‪ ،‬مستمع سلبي يحمل روح الأم الحنون إزاء‬
                                                        ‫الأشخاص المحيطين به؛ يقبل نزقهم دون حساب‬
                           ‫أو بضوء وزاوية نظر‪.‬‬       ‫ولا لوم ولا عتاب‪ ،‬أو يشبه تصور الرب الذي يرفع‬
      ‫هو رجل بدأ يصور الحياة ثم اصطدم بها على‬            ‫الحجب كلها بينه وبين عباده فيفاتحونه بكل ما‬
  ‫الصور‪ ،‬بدأ بالتصوير كولع فني وانتهى به كأداة‬       ‫يعتمل داخل الصدور (صورة تذكر بغرفة الاعتراف‬
   ‫استخباراتية‪ ،‬هو ممزق دائما بين ممكنات حياته‬
‫وضغوط واجباتها‪ .‬المصور في الرواية ‪-‬مثله في ذلك‬                                      ‫لدى المسيحيين)‪.‬‬
‫مثل باقي المتكلمين‪ -‬ممز ٌق إلى حد الموت بين ما أراد‬
                                                     ‫ما حقيقة ما يصوره المصور في روايتك؟‬
                              ‫وما هو مجبر عليه‪.‬‬
                                                          ‫الأبطال كلهم بسطاء ولكنهم إشكاليون في هذه‬
‫لماذا كل هذا الإقبال على الروايات في رأيك‬                 ‫الرواية‪ .‬وقد أورد ْت بعض التعليقات النقدية في‬
       ‫مقارنة بالأنواع الأدبية الأخرى؟‬               ‫الصحافة فكرة أنهم أبطال من الهامش‪ ،‬في حين أنهم‬
                                                       ‫ليسوا من الهامش فعليًّا‪ .‬فأي هامش هو هذا الذي‬
   ‫الروايات تجدد صلاتنا بالعالم‪ ،‬لذا فنحن نفكر في‬     ‫يجعلك في معترك الأحداث‪ ،‬أو يضعك في منعرجات‬
  ‫الحياة الجديدة من خلال هذه الروايات‪ .‬لقد انتشر‬      ‫هامة من تاريخ بلادك؟ المعهود على الهامشيين أنهم‬
                                                         ‫أناس بلا خطر على المستوى السياسي‪ ،‬أو أناس‬
    ‫التفكير في قراءة الرواية على أنه نوع من النشاط‬     ‫مسحوقون اجتماعيًّا‪ ..‬فكيف تحقق لأبطال ضمير‬
    ‫«الفيكتوري» الذي كان يحيلك مباشرة إلى طبقة‬        ‫المتكلم أن يكونوا هامشيين (وذلك أمر لا نقاش فيه‬
 ‫معينة؛ طبقة أولئك المحظوظين الذين يملكون الوقت‬          ‫بالنسبة لمن قرأ الرواية)‪ ،‬لكي نجدهم في الوقت‬
 ‫لقراءة الروايات‪ ،‬إلا أن العلوم والمعارف قد تطورت‬        ‫نفسه فاعلين في تاريخ البلاد من الجهة المقابلة‪..‬‬
     ‫لتسمح لنا اليوم بالقول بأن العقل السردي هو‬      ‫شخصيًّا ‪-‬إذا جاز لي أن أقول برأيي؛ وهو في المطلق‬
  ‫عقل يفكر تما ًما مثل العقل الرياضي‪ ،‬بل إن العقل‬         ‫رأي لا يختلف تما ًما عن التعليقات التي ينشئها‬
‫السردي يملك حلو ًل لمسائل لا يعيها العقل الرياضي‬      ‫القراء جمي ًعا حول الرواية‪ -‬أعتقد أن سياق الحراك‬
                                                      ‫هو الذي خلق هذا البعد‪ ..‬فعلى هامش الحراك بدأنا‬
                 ‫ولا يستطيع أن يتخيل لها حلو ًل‪.‬‬     ‫صدفة نشعر بأنه من الممكن تما ًما أن نصنع التاريخ‬
 ‫هذا التنوع الذي نراه في الروايات هو صورة رمزية‬       ‫نحن البسطاء الذين لا باع لهم لا في سياسة ولا في‬

    ‫أليغورية للتنوع الذي تختزنه الحياة‪ .‬فالحياة قد‬
  ‫تكون فلسفية شديدة التعقيد والتنظير‪ ،‬وقد تكون‬
  ‫سريعة‪ ،‬أو هادئة رومانسية‪ ،‬ويحدث لها أن تكون‬
 ‫مظلمة قاتمة‪ ،‬والعادة تجلعنا بحاجة إلى مرايا ننظر‬

     ‫إلى الحياة من خلالها‪ .‬هذه المرايا هي الروايات‪.‬‬
   38   39   40   41   42   43   44   45   46   47   48