Page 41 - ميريت الثقافية- العدد رقم 22 أكتوبر 2020
P. 41

‫‪39‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫رؤى نقدية‬

‫واستدعاء الشخصيات بالنسبة للشاعر ليس مجرد‬              ‫وثيقة تاريخية‪ ،‬مع أنه قد لا يتناقض مع الحقائق‬
      ‫ذکر للشخصية أو الإخبار عنها فحسب‪ ،‬بل‬                                              ‫التاريخية‪)2(.‬‬

  ‫المعرفة الواعية بملامح تلك الشخصيات وأبعادها‬           ‫ويشير «لويس جوتشوك» إلى أن للتاريخ ثلاثة‬
 ‫الدلالية ومن ثم المقابلة بين تلك الملامح والقضايا‪،‬‬     ‫أبعاد‪ ،‬ففيه طبيعة العلم والفن والفلسفة‪ ،‬وتوجد‬
                                                      ‫تقاليد مشتركة مع الكتابة الإبداعية‪ ،‬مثل الانتخاب‬
      ‫التي يعيشها الشاعر في واقعه ثم التعبير عن‬
   ‫هذا الواقع من خلال الشخصية المستدعاة بطرق‬               ‫والتنظيم والعرض والطرافة والإيقاع الزمني‬
                                                         ‫ووضع خط عام‪ )3(.‬وكما يعد التاريخ مور ًدا لا‬
     ‫تعبيرية مختلفة تبتعد کثي ًرا عن مجرد ذکر‬        ‫ينضب للأدباء‪ ،‬باعتباره سيرة الإنسان‪ ،‬فإن الشعر‬
 ‫الشخصية‪ ،‬أو سرد أحداثها‪ ،‬کما وردت في کتب‬                ‫مصدر مهم من مصادر المؤرخ لفهم المجتمع في‬
                                                      ‫فتره تاريخية ما‪ ،‬ومعرفة النظام القيمي والأخلاق‬
                              ‫التاريخ والتراث‪)4(.‬‬     ‫والعادات والتقاليد‪ ،‬والمشاعر والأحاسيس‪ ،‬وأنماط‬
     ‫وتوظيف التراث واستلهامه يتخذ عند الشعراء‬              ‫الملابس‪ ،‬وأنواع الطعام‪ ،‬والعلاقات الإنسانية‬
‫أشكا ًل متعددة‪ ،‬فمنهم من يوظفه بدواعي المناسبات‬           ‫والاهتمامات‪ ،‬وهو ما يندر البحث عنه في كتب‬
   ‫التي لها صلة بقضايا الوطن؛ وذلك لشحذ الهمم‬
                                                            ‫التاريخ‪ ،‬كما تساعد دراسة التاريخ على فهم‬
       ‫علی التم ّرد لتغيير هذا الواقع الأليم‪ .‬ولكي‬                              ‫الأعمال الأدبية ذاتها‪.‬‬
    ‫يؤکدوا روح السيادة والحرية في ضمير أبناء‬
‫وطنهم‪ ،‬راحوا يذکرونهم بأجدادهم کيف حكموا‪،‬‬                ‫وقد يكون الشعر أحيا ًنا المصدر الوحيد لبعض‬
 ‫وکيف ق ّدموا للحضارة أفضل مقوماتها‪ ،‬وکيف‬                 ‫الأحداث والوقائع التاريخية‪ ،‬كالشعر الجاهلى‬
    ‫کانوا سادة الدنيا وقادتها‪ ،‬ومنهم من استلهم‬             ‫أحيا ًنا‪ ،‬حيث يساعد على التعرف على المجتمع‬
    ‫التراث ووظفه في شعره للتكسب والتقرب إلی‬                ‫العربى قبل الإسلام ودراسة أسماء الرهوط‬
 ‫الشخصيات المهمة‪ ،‬وبلوغ المراتب الرفيعة‪ ،‬يضاف‬            ‫والقبائل وأيام العرب والسلم والحرب والقحط‬
‫إلی ذلك تع ّود الشعراء استلهام التراث تلبية للذوق‬      ‫والبؤس‪ ..‬إلخ‪ ،‬وكما يقول ابن خلدون فى مقدمته‪،‬‬
    ‫السائد‪ ،‬أو حبًّا للتقليد‪ ،‬يقصد الشاعر باستدعاء‬
  ‫الشخصيات التراثية استخدامها تعبي ًرا لحمل بعد‬              ‫فقد كان الشعر ديوان العرب‪ ،‬فيه علومهم‬
‫من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر‪ ،‬أي تصبح وسيلة‬           ‫وأخبارهم وحكمهم‪ ،‬حتى حرصوا على تعليقه فى‬
 ‫تعبير وإيحاء ورمز في يد الشاعر‪ ،‬يعبر من خلالها‬
   ‫أدبها عن رؤياه المعاصر‪ ،‬وبمثل ما يتم استدعاء‬                                         ‫جوف الكعبة‪.‬‬
‫الشخصيات البطولية‪ ،‬قد يتم استدعاء الشخصيات‬                  ‫والأحداث التاريخية والشخصيات التاريخية‬
                                                       ‫ليست مجرد ظواهر کونية عابرة‪ ،‬تنتهي بانتهاء‬
      ‫السلبية‪ ،‬مثل الخونة والمستبدين‪ ،‬لأخذ العبر‬      ‫وجودها الواقعي‪ ،‬فإن لها إلی جانب ذلك دلالتها‬
                                   ‫والدروس‪)5(.‬‬           ‫الشمولية‪ ،‬فدلالاتها غير ثابتة‪ ،‬ويدلل علی هذا‬
                                                            ‫إمكان استدعاء مبدع واحد لشخصية تراثية‬
    ‫وقراءة سريعة فى دواوين أحمد شوقى وحافظ‬                ‫معينة‪ ،‬في سياقات مختلفة‪ ،‬للدلالة علی معان‬
 ‫إبراهيم والبياتى ومحمود درويش وأدونيس وأمل‬               ‫متعددة‪ .‬استدعاء الشخصيات هو أحد عناصر‬
  ‫دنقل وفؤاد حداد‪ ،‬كافية لتأكيد هذا الاتجاه‪ ،‬حيث‬           ‫التراث ومعطی من معطياته‪ ،‬وتقنية استدعاء‬
 ‫ينحو الشعراء نحو الاستعانة بالأساطير والرموز‬         ‫الشخصيات التراثية تعد إحدی الوسائل التعبيرية‬
‫الدينية والتراثية والشعبية والشخصيات التاريخية‪،‬‬         ‫التي يلجأ إليها الشاعر العربى المعاصر؛ لتحديث‬
                                                         ‫بنية القصيدة قصد الوصول إلی تشكيل رؤاه‬
  ‫ودعم قيم الوطنية والقومية والأبعاد الاجتماعية‪،‬‬         ‫للعالم وللكون والتعبير عما يحس به من معاناة‬
   ‫ويضفى الشاعر بذلك على إبداعه الشعرى عراقة‬           ‫أمته العربية وأزمتها‪ ،‬الأمر الذي يدل علی مآزق‬
                                                        ‫الإنسان العربي في عالمنا المعاصر‪ ،‬والهروب من‬
       ‫وشمولية ويمثل نو ًعا من امتداد الماضى فى‬
  ‫الحاضر‪ ،‬ويتخطى برؤيته الشعرية حدود الزمان‬                      ‫انكسارات الحاضر وأزماته المتلاحقة‪.‬‬
‫والمكان‪ ،‬ويعمق الأصالة الفنية لشعره والابتعاد عن‬
  ‫التقليدية الشعرية المتقوقعة حول الذات والعاطفة‪.‬‬
   36   37   38   39   40   41   42   43   44   45   46