Page 237 - m
P. 237

‫الملف الثقـافي ‪2 3 5‬‬

   ‫إن كان هناك قرار لوزارة‬          ‫يزعم صاحبه أب ًدا أنه مكتمل‬       ‫هذا لا ينقص أب ًدا من أن طه‬
 ‫الثقافة بهذا‪ ،‬فكيف يظل س ًّرا‬     ‫وقطعي‪ ،‬بدليل أنه كان يراجع‬          ‫حسين قد ترك لنا مشرو ًعا‬
                                   ‫نفسه‪ ،‬ويحاور غيره‪ ،‬ويسعى‬
          ‫على أغلب المثقفين؟‬                                               ‫عمي ًقا‪ ،‬في الفكر والأدب‬
 ‫في العموم‪ ،‬إن كانت الوزارة‬              ‫إلى الحكمة أينما كانت‪،‬‬          ‫والإصلاح الاجتماعي‪ ،‬لا‬
  ‫صادقة‪ ،‬وستكمل فعالياتها‬                       ‫وحيثما تجلت‪.‬‬          ‫تزال عطاياه قائمة بيننا حتى‬
‫الخجولة احتفا ًل بعميد الأدب‬
‫العربي‪ ،‬فعليها أن تنتهج نه ًجا‬        ‫وكتاب «بصيرة حاضرة»‬                                  ‫الآن‪.‬‬
  ‫جا ًّدا في التعامل مع الرجل‪،‬‬       ‫إن كان قد انصب بالأساس‬            ‫ويقول عمار إن طه حسين‪،‬‬
  ‫بعي ًدا عن الكتابات والكلمات‬                                         ‫مث ًل‪ ،‬تحدث عن اتباع خطى‬
 ‫الاحتفائية والاحتفالية‪ ،‬التي‬           ‫على دراسة مشروع طه‬
  ‫شبع هو منها في حياته‪ ،‬ولا‬         ‫حسين‪ ،‬فإن عمار علي حسن‬               ‫الغرب في كتابه «مستقبل‬
‫تزال تنهمر على عظامه النخرة‬                                                ‫الثقافة في مصر»‪ ،‬لكنه‪،‬‬
                                      ‫يكون قد وضع‪ ،‬من خلال‬
    ‫في قبره‪ ،‬وبعي ًدا أي ًضا عن‬      ‫الزوايا الست التي رأى من‬            ‫وهو الرجل المتفاعل بقوة‬
    ‫الكتابات التي توزعت على‬                                             ‫مع مجتمعه‪ ،‬وجد نفسه لا‬
   ‫التقديس والتدنيس‪ .‬فرغم‬               ‫خلالها العميد من شتى‬
 ‫أن طه قد ُكتب عنه سيل من‬          ‫جوانبه‪ ،‬يكون قد وضع إطا ًرا‬            ‫يلتزم بهذا التصور كليًّا‪،‬‬
  ‫الدراسات والكتب والمقالات‬         ‫نظر ًّيا‪ ،‬وحفر مسا ًرا منهجيًّا‬    ‫حين نظر بإمعان إلى طبيعة‬
     ‫والأبحاث‪ ،‬فإن أغلبها لم‬                                          ‫مشكلاتنا‪ .‬لكنه لم ُيف ِّصل في‬
  ‫يلمس أعماق الرجل‪ ،‬كمفكر‬             ‫متماس ًكا‪ ،‬يمكن تطبيقه في‬        ‫هذه الناحية‪ ،‬أو يضع رؤية‬
    ‫وأديب ومصلح اجتماعي‪،‬‬            ‫أي دراسة عن مفكر أو أديب‬         ‫شاملة‪ ،‬على هذا الدرب‪ ،‬وذلك‬
   ‫بل وثائر ورجل دولة‪ ،‬ولم‬                                             ‫يعد من الجوانب التي يفتقر‬
  ‫ُين َت َبه إلى كثير من الأساليب‬     ‫بارز‪ ،‬ما يعني أنه قد فتح‬
   ‫المتنوعة في كتاباته‪ ،‬والقيم‬        ‫أف ًقا لأي باحث يتناول أي‬          ‫إليها مشروعه النهضوي‬
 ‫العليا التي تعكسها‪ ،‬والأفكار‬        ‫من المفكرين والأدباء العرب‬      ‫الكبير‪ ،‬إلى جانب عدم انتباهه‬
    ‫الأساسية التي تنتظم من‬            ‫في قابل الأيام‪ ،‬وهنا يقول‪:‬‬     ‫إلى روحانية التصوف‪ ،‬وعطاء‬
 ‫أجلها‪ ،‬والمقاصد الكبرى التي‬        ‫«بوسع هذا المنظور أن يمتد‬
                                                                          ‫الموروث الشعبي العامر‬
                   ‫تتغياها‪.‬‬             ‫أي ًضا إلى دراسة الأدباء‬          ‫بالمعاني والقيم وطرائق‬
      ‫إن الاحتفاء بطه حسين‬         ‫البارزين‪ ،‬مع استبدال بسيط‪،‬‬
      ‫واجب‪ ،‬لا يخصنا نحن‬                                                                 ‫العيش‪.‬‬
 ‫كمصريين فقط‪ ،‬بل يمتد إلى‬             ‫يتمثل في إحلال المعمار أو‬       ‫وأخي ًرا فإن مساءلة مشروع‬
    ‫العرب أجمعين‪ ،‬لأن أثره‬            ‫البنية بدي ًل للمنهج‪ ،‬إذ إن‬
 ‫فينا جمي ًعا لا يزال باقيًا‪ ،‬ولا‬   ‫الأخير لا غني عنه لأي مفكر‬          ‫طه حسين‪ ،‬على هذا النحو‪،‬‬
                                       ‫أو فيلسوف‪ ،‬بل هو الذي‬           ‫لا تقلل من قيمته‪ ،‬فهو كان‬
               ‫جدال في هذا‪.‬‬        ‫يميزه عن غيره‪ ،‬ويبرهن ع َّما‬      ‫معنيًّا‪ ،‬بالدرجة الأولى‪ ،‬بوضع‬
  ‫نعم‪ ،‬لم ينته أثر طه حسين‬          ‫إذا كان قد قدم رؤية متسقة‬
                                                                         ‫الأسس التي يسير عليها‬
    ‫في حياة العرب‪ ،‬ولا يبدو‬             ‫ومتناغمة أم العكس هو‬            ‫التفكير السليم‪ ،‬مؤمنًا بأن‬
 ‫أنه سينتهي‪ ،‬فالرجل ضرب‬                             ‫الصحيح»‪.‬‬         ‫«العلم بمدخله لا بموضوعه»‪،‬‬
   ‫سهمه في كل اتجاه‪ ،‬وأنتج‬                                               ‫ففتح لمن يأتون بعده أف ًقا‬
‫من الأفكار والآراء والأساليب‬             ‫وعلى هامش عرض هذا‬               ‫عاليًا‪ ،‬وشق در ًبا واس ًعا‪،‬‬
                                        ‫الكتاب المهم يحق لنا أن‬      ‫يمكنهم أن يمضوا فيه باحثين‬
      ‫والطرائق والأذواق بل‬            ‫نتساءل عن موقف وزارة‬             ‫عن طرق أخرى للتنوير‪ ،‬أو‬
                                       ‫الثقافة المصرية من عميد‬         ‫مسارات أخرى تتواشج مع‬
                                   ‫الأدب العربي في ظل أن العام‬          ‫التصور العام لعميد الأدب‬
                                      ‫الحالي هو عام طه حسين‪،‬‬            ‫العربي‪ ،‬لاسيما أنه تصور‬
                                    ‫بمناسبة مرور خمسين سنة‬            ‫تفاع ًل مع قضايا الناس‪ ،‬ولم‬
                                   ‫على وفاته‪ ،‬وأتساءل في عجب‪:‬‬
   232   233   234   235   236   237   238   239   240   241   242