Page 243 - m
P. 243

‫‪241‬‬      ‫ثقافات وفنون‬

         ‫حوار‬

‫سيد قطب‬  ‫عبد القادر عودة‬                             ‫لطيفة الزيات‬     ‫أقرأه في كتب التاريخ صحيح؟ أم‬
                                                                      ‫أن هذا التاريخ مزيف؟ كيف لي أن‬
       ‫يعبِّر في كتاباته عن موقفه‬       ‫له آراء قوية تجاه محمد علي‬
  ‫الأخلاقي وتفضيلاته السياسية‬      ‫والفرنسيين والعثمانيين والمماليك‬     ‫أثق في كتب تاريخ أعرف مسب ًقا‬
‫والإيديولوجية‪ .‬كل ما في الأمر أن‬   ‫ورجال الدين وعامة الناس‪ ،‬وهذه‬       ‫أنها مكتوبة بأغراض سياسية أو‬
  ‫بعض المؤرخين يفصح عن هذه‬
  ‫المواقف والتفضيلات ويشرحها‬          ‫الآراء‪ ،‬بدورها‪ ،‬كانت انعكا ًسا‬    ‫متأثرة بالخلفيات الإيديولوجية‬
  ‫للقارئ بأمانة ووضوح ويدرج‬             ‫لخلفيته الطبقية والاجتماعية‬                          ‫لمؤلفيها؟‬
                                      ‫بقدر ما كانت تعبر عن مواقفه‬
    ‫مصادره بشفافية في هوامش‬         ‫السياسية وتحيزاته الاجتماعية‪.‬‬      ‫أعتقد أن خلف هذه الأسئلة يقبع‬
    ‫الكتاب حتى يتأكد القارئ من‬           ‫وبالتالي‪ ،‬ففكرة الموضوعية‬      ‫الشعور الدفين بالاغتراب وعدم‬
 ‫دقة قراءته لتلك المصادر‪ ،‬وهناك‬       ‫التي ُيقصد بها عادة ألا يكون‬       ‫الألفة الذي أشرت إليه في ردي‬
‫من ي َّدعى‪ ،‬باسم الموضوعية‪ ،‬خلو‬    ‫للمؤرخ رأي أو مبدأ في الموضوع‬      ‫على السؤال السابق‪ ،‬ذلك الشعور‬
 ‫عمله من تلك المواقف والتحيزات‬         ‫الذي يؤرخ له‪ ،‬هذه الفكرة في‬      ‫الذي يجعل القارئ يرى التاريخ‬
                                    ‫رأيي فكرة خاطئة‪ ،‬إذ إنها تخلط‬     ‫تاريخ ملوك وأمراء لا تاريخه هو‪.‬‬
                     ‫السياسية‪.‬‬           ‫الحيادية والمهنية من جانب‬      ‫ولكني أعتقد أي ًضا أن وراء هذا‬
    ‫وبهذا المعنى‪ ،‬يصح أن يكون‬      ‫بالميوعة الأخلاقية من جانب آخر‪.‬‬    ‫السؤال الاقتناع بأن هناك تاري ًخا‬
    ‫أحمد عرابي في نظر مؤرخ ما‬        ‫أنا أعتقد أنه لا يعيب المؤرخ أن‬
  ‫جانيًا‪ ،‬وأن يكون في نظر مؤرخ‬        ‫يتبنى موق ًفا تجاه ما يؤرخ له‪،‬‬       ‫موضوعيًّا‪ ،‬وأن المؤرخ يجب‬
   ‫آخر مجنيًّا عليه‪ .‬كما يصح أن‬     ‫وأن تكون له قناعاته واختياراته‬       ‫أن يكون موضوعيًّا‪ ،‬وكثي ًرا ما‬
  ‫يكون كلاهما على صواب‪ .‬وعلى‬       ‫الفلسفية والسياسية‪ ،‬طالما أفصح‬       ‫ُيفهم هذا اللفظ‪ ،‬موضوعي‪ ،‬على‬
‫القارئ أن يعمل عقله في نص كلا‬       ‫لقارئه عن هذه القناعات ووضح‬        ‫أنه يعني ألا يكون للمؤرخ أفكار‬
 ‫المؤرخ ْين‪ ،‬وأن يحاول أن يتحقق‬         ‫له تلك الاختيارات‪ .‬بل أعتبر‬      ‫مسبقة ولا تحيزات فكرية‪ ،‬ولا‬
‫من مواقف كل منهما وقناعاتهما‪،‬‬         ‫أن أي مؤرخ‪ ،‬في نهاية المطاف‪،‬‬     ‫حتى مبادئ أخلاقية أو انتماءات‬
     ‫ومن أدواتهما البحثية‪ ،‬وقوة‬
                                                                                             ‫سياسية‪.‬‬
                                                                        ‫وكثي ًرا ما ُيطرح الجبرتي كمثال‬
                                                                      ‫على هذا «المؤرخ الموضوعي» الذي‬
                                                                        ‫ن َّحى قناعاته جانبًا عندما شرع‬

                                                                          ‫في كتابة عمله العمدة «عجائب‬
                                                                           ‫الآثار في التراجم والأخبار»‪.‬‬
                                                                             ‫فحسب هذه الرؤية للكتابة‬
                                                                           ‫التاريخية «الموضوعية» يبدو‬
                                                                      ‫«عجائب الآثار» ككتاب موضوعي‬
                                                                      ‫متزن‪ ،‬سجل فيه المؤرخ ملاحظاته‬
                                                                        ‫عما عاصره بحياد وموضوعية‬
                                                                         ‫ودون أن تكون لآرائه أثر فيما‬

                                                                                               ‫يكتبه‪.‬‬
                                                                       ‫ولكن أي قراءة واعية «للعجائب»‬

                                                                             ‫ستظهر على الفور كيف أن‬
                                                                             ‫الجبرتي بأفكاره وقناعاته‬
                                                                           ‫وانحيازاته الفكرية والطبقية‬
                                                                             ‫حاضرة في كل صفحة من‬
                                                                        ‫صفحات كتابه‪ .‬فالجبرتي كانت‬
   238   239   240   241   242   243   244   245   246   247   248