Page 97 - merit 46 oct 2022
P. 97

‫‪95‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫قصــة‬

  ‫قلت لها‪ :‬هل تريدين الصراحة‪ ،‬على أن تصدقيني‬                                           ‫‪ -‬اسمي م ّي‪.‬‬
                             ‫ولا تسخري مني؟‬          ‫انتظر ْت أن أقدم لها نفسي‪ ،‬وأواصل الحديث‪ ،‬لكني‬
                               ‫قالت‪ :‬بكل تأكيد‪.‬‬
                                                      ‫مددت إليها يدي بالنقود‪ ،‬وأخذت الوردة‪ ،‬ولم أزد‬
 ‫قلت‪ :‬إنني‪ ،‬طوال عمري‪ ،‬لم أ ِعش قصة حب إلا في‬
‫خيالي‪ ..‬لم أقل يو ًما لفتاة‪« :‬أحبك»‪ ،‬ولم أسمعها من‬                        ‫على كلمة «شك ًرا»‪ ،‬وانطلقت‪.‬‬
                                                       ‫عندما هممت بالانصراف ‪-‬في نهاية جلستي على‬
                                          ‫أحد‪.‬‬           ‫الشاطئ‪ ،‬والتي لم تدم طوي ًل هذه المرة‪ -‬التف ُّت‬
     ‫قالت‪ ،‬وقد رفعت الدهشة حاجبيها‪ :‬معقول؟!‬
                                                         ‫إلى الكشك الزجاجي الذي أنيرت فيه المصابيح‬
               ‫قلت‪ :‬ألم أقل لكإنك لن تصدقيني؟‬
‫كنت أريد أن أخبرها بأنني منذ استقرت عيناي في‬              ‫الكهربية؛ استعدا ًدا لقدوم المساء‪ .‬على الجانب‬
‫عينيها سمعت لحنًا لم أسمعه من قبل؛ لحنًا عزفته‬          ‫الآخر‪ ،‬لمحتها في سترتها الزرقاء الداكنة‪ ،‬مبهر ًة‬

        ‫دقات قلبي التي كاد صدري ينخلع معها‪.‬‬               ‫تحت أضواء «الفلورسنت»‪ .‬احتضنت وردتي‪،‬‬
      ‫عندما كانت مي تح ِّدق ف َّي بعينيها النجلاوين‬
   ‫المدهشتين المندهشتين‪ ،‬فاجأتها بسؤال‪ :‬وأنت؟‬                                    ‫وعدت بها إلى البيت‪.‬‬

                               ‫قالت‪ :‬وأنا ماذا؟‬        ‫مضت أيام كثيرة؛ لم أنقطع فيها يو ًما واح ًدا عن‬
                  ‫قلت هل ج َّرب ِت الحب من قبل؟‬          ‫الذهاب إلى النهر بعد أن أشتري وردة من مي‪.‬‬
  ‫قالت‪ ،‬بعد أن اعتدلت في كرسيها‪ :‬هل سمعت عن‬
   ‫قصص روميو وجولييت‪ ،‬وقيس وليلى‪ ،‬وعنترة‬                 ‫توطدت علاقتنا‪ ،‬وصار الحديث بيننا أكثر و ًّدا‪.‬‬
                                                     ‫ذات يوم‪ ،‬ل َّفت لي الوردة كالعادة‪ ،‬وبد ًل من أمضي‬
                                ‫وعبلة وغيرهم؟‬
                                     ‫قلت‪ :‬نعم‪.‬‬          ‫مو ِّد ًعا قدمتها إليها‪ .‬احمر وجهها‪ ،‬حتى ُخيِّل إل َّي‬
                                                     ‫أنها ستبادلني من وجنتيها ورد ًة بوردة‪ .‬دعتني إلى‬
  ‫قالت‪ :‬كل تلك القصص مجتمعة‪ ،‬لا تساوي شيئًا‬
                 ‫إذا ُذكرت قصة حبي أنا وكريم‪.‬‬              ‫الجلوس‪ ،‬وابتسامتها تزداد اتسا ًعا وسح ًرا‪.‬‬
                                                          ‫خلال الحديث‪ ،‬الذي امتد في ذلك اليوم وازداد‬
   ‫قالتها مي ببساطة متناهية‪ ،‬غير مبالية بي‪ ،‬ولا‬         ‫حميمي ًة‪ ،‬فاجأتني مي بسؤا ٍل عن سبب جلوسي‬
  ‫مدركة أنها صعدت بقلبي إلى القمر‪ ،‬ثم قذفت به‬
 ‫إلى الأرض‪ ،‬فته َّشم‪ ،‬وتناثرت أشلاؤه شظايا مثل‬         ‫وحي ًدا كل يوم على الشاطئ‪ ،‬وحرصي على شراء‬
   ‫شظايا كرة من الكريستال‪ ..‬قالتها مي ببساطة‬               ‫وردة‪ ،‬ثم أتركها هناك وأمضي‪ ..‬عندما لمحت‬
   ‫شديدة‪ ،‬وهي تسرح ببصرها بعي ًدا‪ ،‬وتسترسل‬
                                                           ‫الارتباك على وجهي ويد َّي‪ ،‬طلبت مني بحكم‬
     ‫في الحديث عن حبيبها الذي رفضه أهلها لأنه‬             ‫صداقتنا ألا أخفي عنها شيئًا‪ .‬خ َّمن ْت أن أكون‬
 ‫‪-‬كما يرونه هم‪ -‬دونها في كل شيء‪ :‬هي رشيقة‬              ‫ضحية فتاة تدمن إضناء الحبيب وتقليبه على نار‬
 ‫جميلة إلى حد الفتنة‪ ،‬وهو قصير لا نصيب له من‬
‫الوسامة‪ ..‬هي تحمل شهادة جامعية‪ ،‬وهو «راسب‬               ‫الهجر والدلال والوعود الكاذبة‪ ..‬لم أرد‪ .‬ر َّجحت‬
  ‫دبلوم»‪ ..‬هي غنية‪ ،‬تملك شقة خاصة بها ومح ًل‬              ‫أن تكون فتاتي قد سافرت بعي ًدا‪ ،‬أو أن أهلها‬
                                                         ‫أجبروها على الزواج بآخر‪ ..‬ظللت على صمتي‪.‬‬
   ‫للزهور‪ ،‬وهو فقير‪ ،‬يعمل عندها مجرد «صب ٍّي»‬
                          ‫يوزع الورد بالد َّراجة‪.‬‬    ‫قررت في نفسي أن أختلق لها قص ًة ُترضي ظنونها‬
                                                          ‫وفضولها؛ قصة حبيبة اختفت عني فجأة قبل‬
 ‫أخذت مي تسترسل في الحديث عنه؛ وكأنني حين‬
 ‫سألتها «وهل جربت الحب من قبل؟» ضغط ُت زر‬                 ‫سنوات‪ ،‬ولا أعلم عنها شيئًا‪ ،‬وأن أزعم لها أن‬
                                                          ‫المكان الذي تعود ُت الجلوس فيه قبيل الغروب‬
                        ‫جهاز تسجيل لا يتوقف‪.‬‬            ‫وترك الوردة؛ هو نفسه مكان لقاءات حبنا الذي‬
  ‫استجمعت شيئًا من صلابتي المفقودة‪ ،‬وسألتها‪:‬‬             ‫شهد النهر ال َق َسم عليه بيننا‪ .‬سرعان ما عدلت‬
  ‫هل هو ذلك الشاب الذي مضى‪ ،‬قبل قليل‪ ،‬بباقة‬              ‫عن هذه الفكرة؛ مخاف َة أن تطلب مني أن أحكي‬
                                                      ‫لها تفاصيل قصتي الوهمية‪ ،‬فأفش َل‪ ،‬أو أروي لها‬
                             ‫الورد على دراجته؟‬       ‫أحدا ًثا غير متَّسقة مع بعضها‪ ،‬فتكتشف مي كذبي؛‬
                                                       ‫بحكم خبرتها بالعشاق وتعاملاتها اليومية معهم‪.‬‬

                                                                               ‫سألتني‪ :‬لماذا لا تتكلم؟‬
   92   93   94   95   96   97   98   99   100   101   102