Page 11 - ميريت الثقافة رقم (33)- سبتمبر 2021
P. 11
إبداع ومبدعون 9 وثوابت الأخلاقيات ،واجتراء على المقدسات.
رؤى نقدية كانت الكلمة في الحلم -كما ذكرت زوجته في
مقدمتها لشعره -طري ًقا إلى الحرية التي وجدها
تندفع في نهر الشوك طري ًقا للسجن( ،)5مما جعله هائ ًما على وجهه ،وحي ًدا،
وسحابة من العيون الزرق الحزينة(.)8 شري ًدا ،حزينًا ،حتى بعد أن أصاب الكثير من
يبكي محمد الماغوط الوطن العربي بأسره ،ويأسى الشهرة والمال بعد انفراط عقد أحبابه الذين اختطفهم
لما آل إليه حاله من تخلف وهوان ،لكن صورته الموت ،ومنهم زوجته التي رأته جز ًءا من المستقبل،
الشعرية منحوتة بإلهام شاعر يتلقى الشعر من احترق بنيران الماضي والحاضر ،فلجأ إلى نيران
مكامنه الساحرة ،وخيالاته الآسرة ،المبتكرة غير
المطروقة التي تعد -بتعبير النقد العربي القديم -من المستقبل(.)6
المعاني العقم التي لم يسبق إليها خيال الشعراء(.)9 كان إبداعه تنفي ًسا عن أحلامه المقهورة وسعيًا إلى
كقوله من قصيدة حزن في ضوء القمر ،كذلك: حرية الفن ،وتجديد الحياة ،واللجوء إلى عالم الفن
وأنا أسير كالرعد الأشقر في الزحام تحت سمائك
عو ًضا عن قسوة الواقع.
الصافية و»دمشق» حزينة حزن الشاعر الذي ارتبط شعره
أمضي باكيًا يا وطني بقضايا وطنه ،وآلام عروبته ،وأحلام ناسه ،يقول
أين السفن المعبأة بالتبغ والسيوف()10
لم يضق الماغوط بالشعر ،لكنه لم يكتف به فكتب من قصيدة حزن في ضوء القمر ،أي ًضا:
المسرحية والرواية والمقالة كما ذكرنا ،وكتب عشرون عا ًما ونحن ندق أبوابك الصلدة
الخاطرة ومسلسلات التليفزيون وسيناريو الأفلام،
ورأس تحرير مجلة الشرطة بدمشق ،وانضم إلى والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا
جماعة مجلة شعر بلبنان ،وتعرف إلى الشعراء ووجوهنا المختنقة بالسعال الجارح تبدو حزينة
الكبار كبدر شاكر السياب ،وأدونيس ،وط َّور مجلة
«تشرين» وساعد على انتشار مجلة «المستقبل»، كالوداع صفراء كالسل(.)7
وأسس مع «يوسف عيدابي” جريدة الخليج الخطاب الشعري لمحمد الماغوط سلس ،يجد طريقه
الإمارتية ،وذاعت شهرته ،وغزر إنتاجه الفكري،
واشتهرت مسرحياته مثل «كاسك يا وطن» .وقدم إلى قلب المتلقي وعقله ،لا يتعالى عليه ،لأنه طرق
للسينما فيلم «الحدود». الشوارع والمقاهي طري ًدا شري ًدا ،وعرف آلام
ومن أعماله المشهورة ،كذلك ،مقالاته التي نشرها
بعنوان« :سأخون وطني” .ومن نصوصه الإبداعية البسطاء وآمالهم .استهلم إبداعه ،وعايش شجنه في
“سياف الزهور” وتدفقت إبداعاته في كل هذه مقهى بربوة على ضفاف نهر بردى ،وعاش حياته لا
الأنواع .وقد ق ّدم أخوه «عيسى الماغوط» مفتا ًحا آخر
من مفاتيح شخصيته ،خاصة ما يتعلق منها بنشأته يأبه لشيء ،يكتب حالمًا ،ويحلم كاتبًا.
طف ًل فقي ًرا ،وانحيازه إلى صفوف الحرية في كتاب له وصور محمد الماغوط هادرة ،لكنها تحمل في إهابها
بعنوان« :رسائل الجوع والخوف» ،في إحالة إلى قوله
تعالى« :الَّ ِذي َأ ْط َع َم ُهم ِّمن ُجو ٍع َوآ َم َن ُهم ِّم ْن َخ ْو ٍف”. التفرد والبكارة ،يقول ،من قصيدة حزن في وجه
والاغتراب حالة تلبست الماغوط فبدا وحي ًدا قدر ما القمر ،مث ًل:
بدا فري ًدا ،يدفعه الشعر إلى الطموح والجموح في
مواجهة الواقع ،والاندفاع تجاه الحلم بغية التغيير نبكي ونرتجف
والسعي إلى الأفضل على المستويين الخاص والعام وخلف أقدامنا المعقوفة
في ثورة وصفتها «سنية صالح» بأنها ابتكار في تمضي الرياح والسنابل البرتقالية
شكل القصيدة النثرية الحداثية( .)11يقول الماغوط من
قصيدة “حزن في ضوء القمر»: ..
وقت شمس الظهيرة الصفراء
كنت أسند رأسي على ضلفات النوافذ
وأترك الدمعة
تبرق كالصباح كامرأة عارية
فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبودية
وقرب الغيوم الصامتة البعيدة
كانت تلوح لي مئات الصدور العارية القذرة