Page 12 - ميريت الثقافة رقم (33)- سبتمبر 2021
P. 12

‫العـدد ‪33‬‬   ‫‪10‬‬

                                                        ‫سبتمبر ‪٢٠٢1‬‬

                                     ‫الملائكة(‪.)15‬‬                           ‫إنني هنا شبح غريب مجهول‬
  ‫مثال ذلك نظرها إلى قول محمد الماغوط التالي على‬                                                      ‫‪..‬‬

                                        ‫أنه نثر‪:‬‬                     ‫سأطل علي ِك كالقرنفلة الحمراء البعيدة‬
                  ‫ليتني وردة جورية في حديقة ما‬                                 ‫كالسحابة التي لا وطن لها‬
              ‫يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار‬
                                                           ‫إنه الهائم الحائر المحلق في سماء لا وطن له‪ ،‬لكنه‬
                      ‫أو حانة من الخشب الأحمر‬                                             ‫قرنفلة حمراء‪:‬‬
                           ‫يرتادها المطر والغرباء‬
                                                                            ‫جمي ًل كوردة زرقاء على رابية‬
            ‫ومن شبابيكي الملطخة بالخمر والذباب‬                                       ‫أود أن أموت ملط ًخا‬
                       ‫تخرج الضوضاء الكسولة‬
                                                                                 ‫وعيناي مليئتان بالدموع‬
       ‫إلى زقاقنا الذي ينتج الكآبة والعيون الخضر‬                      ‫لترتفع إلى الأعناق ولو مرة في العمر‬
   ‫حيث الأقدام الهزيلة ترتفع دونما غاية في الظلام‬                ‫فإنني ملئ بالحروف والعناوين الدامية(‪)12‬‬
  ‫أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة‬                   ‫إنه الهروب من الطبيعة وإليها‪ ،‬وإنها المفارقة بين‬
                                                          ‫جمال الطبيعة‪ ،‬وألوانها البهيجة بقرنفلتها الحمراء‪،‬‬
              ‫أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء‬                  ‫ووردتها الزرقاء‪ .‬وبين التسكع والتشرد في‬
              ‫تقلى السمك لحبيبها العائد من المقهى‬                  ‫الشوارع شا ًّبا‪ ،‬والحرمان والجوع طف ًل‪.‬‬
        ‫وفي عينيها الجميلتين ترفرف حمامتان من‬            ‫وفي قصيدة «جنازة النسر» ببعدها الرمزي‪ ،‬كسائر‬
                                                        ‫شعره في دواوينه الثلاثة‪ ،‬وهي هذا الديوان موضوع‬
                                      ‫بنفسج(‪)16‬‬         ‫الدراسة‪ ،‬وديوان‪« :‬غرفة بملايين الجدران»‪ ،‬وديوان‬
   ‫وقد رأت نازك الملائكة أن شعر الماغوط في ديوان‬         ‫«الفرح ليس مهنتي” التي تضمنتها أعماله الشعرية‬
   ‫«حزن في ضوء القمر» يبدو كأنه شعر حر‪ ،‬بينما‬                 ‫الكاملة‪ ،‬يقول من ديوان حزن في ضوء القمر‪:‬‬
  ‫هو نثر وزعه على أسطر‪ ،‬وأطلقت عليه خواطر من‬                          ‫أيها الحزن‪ ..‬يا سيفي الطويل المجعد‬
‫مثل قوله‪ ،‬وقد كتبته في شكل نثري‪ ،‬هكذا‪« :‬بلا أمل‪،‬‬
   ‫بقلبي الذي يخفق كوردة حمراء صغيرة سأودع‬                                  ‫الرصيف الحامل طفله الأشقر‬
‫أشيائي الحزينة في ليلة ما‪ :‬بقع الحبر وآثار الخمرة‬                                ‫يسأل عن وردة أو أسير‬
 ‫الباردة على المشمع اللزج‪ ،‬وصمت الشهور الطويلة‪،‬‬
  ‫والناموس الذي يمص دمي‪ ،‬هي أشيائي الحزينة‪،‬‬                                ‫عن سفينة وغيمة من الوطن(‪)13‬‬
  ‫وسأرحل عنها بعي ًدا بعي ًدا‪ ،‬وراء المدينة الغارقة في‬      ‫ويبدو الماغوط كأنه «يطارد أشباح روحه‪ ،‬روحه‬
‫مجاري السل والدخان‪ ،‬بعي ًدا عن المرأة العاهرة التي‬          ‫كفنان‪ ،‬وأشباح روحه هذه هي أشواقه وأحلامه‬
   ‫تغسل ثيابي بماء النهر‪ ،‬وآلاف العيون في الظلمة‬         ‫وأمنياته ورغباته‪ ،‬ومظاهر عجزه وعظمته‪ ،‬صورته‬
   ‫تحدق في ساقيها الهزيلتين‪ ،‬وسعالها البارد يأتي‬            ‫الداخلية‪ ،‬ظله‪ ،‬إنسانه الداخلي‪ ،‬خياله‪ ،‬تهويماته‪،‬‬
   ‫ذلي ًل يائ ًسا عبر النافذة المحطمة‪ ،‬والزقاق الملتوي‬      ‫إيهاماته‪ ،‬تمويهاته‪ ،‬مخاوفه‪ ،‬الصور التي توشك‬
                                                          ‫أن تجيء ولا تجيء‪ ،‬الأحلام توشك أن تتحقق ولا‬
                       ‫كحبل من جثث العبيد»(‪.)17‬‬         ‫تتحقق‪ ،‬العالم الملتبس الغريب الموجود داخله‪ ،‬والذي‬
  ‫لكن المعارك النقدية حول هذين الفنين الشعريين‪،‬‬
 ‫الحر‪ ،‬وقصيدة النثر تجاوزها الزمن‪ ،‬في رأيي‪ ،‬وإن‬              ‫يحاول‪ ،‬بالفن‪ ،‬أن يجسده في عمل خارجه»(‪.)14‬‬
‫كان هناك ما يقتضي نقد قصيدة الشعر الحر إيجا ًبا‬            ‫وقد انتصرت رائدة الشعر الحر‪“ ،‬نازك الملائكة”‬
 ‫من حيث تعبيرها عن تجديد الشعر العربي في إطار‬            ‫لشعر التفعيلة‪ ،‬إثر كتابتها لقصيدة «الكوليرا» سنة‬
 ‫عروضه في التفعيلة شك ًل من أشكال حرية الشاعر‬
‫في اختيار موسيقاه في إطار أوزان العروض العربي‪،‬‬              ‫‪ ،1947‬ورفضت قصيدة النثر التي كان الماغوط‬
‫وسلبًا في حالة شرود بعض شعرائها عن بعض قيم‬                 ‫رائدها‪ ،‬بعد أن ق َّدم ديوانه «حزن في ضوء القمر»‬

               ‫الشعر العربي أسلوبية وعروضية‪.‬‬                 ‫سنة ‪ .1959‬وكان إبداع الشاعر محمد الماغوط‬
   ‫أما قصيدة النثر فكانت «نازك الملائكة» في طليعة‬         ‫الذي عاش اثنين وسبعين عا ًما بين سنة ‪ 1934‬إلى‬
                                                         ‫سنة ‪ ،2006‬مثلا لقصيدة النثر التي رفضتها نازك‬
   7   8   9   10   11   12   13   14   15   16   17