Page 46 - ميريت الثقافية- العدد (29) مايو 2021
P. 46
العـدد 29 44
مايو ٢٠٢1
ينقلون ق ّصة البطل. leitneréférالذي «يستهدف جعل المتقبّل مرتا ًحا
بدت علاقة العنوان الخارجي بثنائيّة السند والمتن إلى القيمة الوثائقيّة للفضاء»( ،)2وهذا ما يؤ ّكد
على حضور شخصيّة مرجعيّة لأنها تحيلنا على
واضحة في الكشف عن خصوصيّة التجربة
الإبداعيّة ،وتشكيل الفضاء الذهني في الرواية، ثقافة معلومة ،هي الثقافة العربيّة الإسلاميّة عامة
وذلك ضمن رؤية يعبّر بها الكاتب عن أفكار أبي والثقافة الموصولة إلى جنس قصصي خاص هو
هريرة ورؤيته للكون والحياة .هذا فض ًل ع ّما «الحديث» ،يقول توفيق بكار في كتابه جدليّة القدم
حضر من عناوين داخليّة لها صلة وثيقة بالعنوان
الخارجي ،يمكن أن تش ّكل هذا الفضاء الذهني والحداثة «الحديث مشدود تاريخيًّا وثقافيًّا إلى
وتفصح عنه ،وذلك باعتبار أن العناوين الصغرى أربعة قيم أصيلة :عراقة ،عروبة ،إسلام ،قداسة»،
مقتبسة من مواضيع الحديث مثل (حديث البعث يؤ ّكدها اختيار المح ّدث «أبو هريرة» وهو من كبار
الأول ،حديث العدد ،حديث التعارف في الخمر )..أو الصحابة ومن مشاهير المح ِّدثين .هذا فض ًل ع ّما
لارتباط بعض العناوين بنتيجة الحديث مثل (حديث اعتمده المسعدي من لغة ط ّعمت الأحاديث بسجلاّت
الوضع ،حديث الوضع أي ًضا ،وحديث الغيبة أسلوبيّة قرآنيّة ،مثل قول أبي هريرة «لا خير في
تطلب فلا تدر ُك) إضافة إلى ارتباط بعض العناوين مائدة تجري من تحتها الأنهار وعليها ألوان الفواكه
الأخرى بالحال الوجودي للبطل مثل(حديث الشوق البكر»( ،)3وهو قول يحاكي الآية القرآنية «جنات
والوحدة ،حديث العمى وحديث الجمود) .ومتى
تأملنا هذه العناوين الداخليّة أدركنا أن هناك صلة تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا»(.)4
ما بينها وبين النص الروائي من ناحية ،وبينها وفي قول أبي هريرة «فاستدارت في السماء دو ًّيا
وبين العنوان الرئيسي من ناحية ثانية .وما من وانش ّقت وانفطرت فتطايرت قط ًعا كالرع ِد كأ ّنها
شك أ ّن هذه العناوين تفصح عن مراحل ثلاث تري ُد السما َء أن تجعلها أشلا ًء .و ُر ّج ْت بنا الد ْنيا
قطعها أبو هريرة في مسيرته الوجود ّية ،وهي فإذا نح ُن كتائ ُب وقد أ ِز َّف ْت بنا السيو ُف ز ًّفا وفضنا
مرحلة الحس ،فالجماعة ثم مرحلة الروح ،وقد
أ ّطرها الن ّص بعنوانين داخليين «حديث البعث أموا ًجا ُمر ِعد ًة على الأنجا ِد والأغوا ِر .وانتش ْرنا
الأول» الذي يرسم ما طرأ على شخصيّة أبي هريرة كاللي ِل فوق ْعنا على الشا ِم وأث ْرنا بتهامة ن ْق ًعا”()5
من تح ّول ،ث ّم «حديث البعث الآخر» الذي يفصح فيهبطان الأرض .ولكنّه يحيلنا أي ًضا على تاريخ
عن نهاية المسار وانتقال البطل من عالم الأرض انبعاث الشخصيّة الروائيّة .فهي شخصيّة تتجاوز
إلى عالم ال ّسماء .بهذا ترتبط العناوين بأوضاع بعدها الأنطولوجي باعتبارها كائنًا يدور في زمان
القص وسيرورتها ،كما هو الشأن في «حديث ومكان معينين ،إلى بنية فنيّة تتجاوز حدودها
القيامة» الذي يعرض فيه مرحلة التهاب الشهوة الواقعيّة لتبني كينونتها النصيّة واللغو ّية .فقد
الجسد ّية باعتبارها أحد عناصر الكيان الإنساني، انطلقت من طاقة تخييليّة انتشلها الكاتب من تاريخ
وذلك بممارسة البطل الحب والح ّس في جو لا قديم ليؤ ّصلها في تاريخ حديث ،وبهذا يمنحها
يخلو من إباحيّة ضمن طقوس وثنية على وقع دين فضاء الروائية الذهني مشروعيّة جديدة لوجودها،
أساف ونائلة .وكذلك في «حديث العدد» ويفصح تجاوز بها المسعدي التقليد السلبي للشكل السردي
العنوان عن «ضيق محبس النفس الفرد» والرغبة القديم وهو «الحديث» إلى تطعيمه بمكتسبات الفن
في الخروج عن حدود كيانه الفردي وسعادته
الضيّقة للاشتراك مع غيره .ومن ث ّم تتأ ّكد صورة القصصي المعاصر ،م ّما يشكل صر ًحا روائيًّا
الإنسان متعدد الأبعاد وهو يتجاوز بعده الفردي محكم البناء تتجاوز فيه شخصيّة أبي هريرة
إلى البعد الاجتماعي «فيصبح شعوره بالكيان قب ًسا حدودها المرجعيّة إلى مطلق الفن والوجود ،فتن ِشئ
من شعور جماع ّي فائ ًضا عن حدود ذاته الفرد ّية». بحضورها جملة من العلاقات مع شخصيّات
تتلقفها من أزمنة مختلفة (ريحانة ،أبو المدائن،
كهلان ،)..هذه الشخصيّات التي مثّلت أصوا ًتا
وألسن ًة لأسانيد ،منها ما يروي ق ّصة كأبي هريرة
ومنها من ينقل ق ّصة غيره كبقيّة الأسانيد حين