Page 45 - ميريت الثقافية- العدد (29) مايو 2021
P. 45
43 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
يجعلنا أمام ثنائيّة أخرى :المح ِّدث والمح َّدث له، وسجال ومواجهة ،ترسم أف ًقا جدي ًدا للمتل ّقي أكثر
وذلك استنا ًدا إلى الخطاب اللساني الذي يفترض جاذبيّة للقارئ ،ولكن قد يكون أكثر من ذلك حين
ضرورة وجود أطراف خطاب ،تنسجم وفق قوانين يختزل النوى الدلاليّة المتناثرة والمو ّسعة في فضاء
معيّنة ضمن قناة اتصال بين باث ومتقبّل يمكن النص ،فيوجد هو ّية للمعنون يرسم استراتيجيّته
أن يهيئا لفسحة في فضاء ذهني ،يفتح على الماضي وأبعاده الدلاليّة والرمز ّية .حينئذ يمكن أن يكون
التليد فنكون بذلك أمام ثنائيّة أخرى :المشافهة أحد العناصر الكاشفة عن الفضاء الذهني فيعبّر
والمكتوب ،فما يظهر مكتو ًبا ،وخاصة ما تعلّق عن أفكار الكاتب ويعلن عن مظهر من مظاهر لعبة
بسرد الأحاديث في المتن الروائي (ح َّدثني ،سمعت،
أخبرني )..إ ّنما يحافظ على خصوصيّة المشافهة القص.
فيه .وهذا من شأنه أن يفرض مسافة بين المتخيّل قد ننطلق من رواية «ح ّدث أبو هريرة قال”..
والحقيقي ،وهي مسافة أمان ،إلاّ أ ّنها فض ًل عن للروائي التونسي محمود المسعدي ،باعتبارها رؤية
ذلك مسافة وعي بالكتابة ،ومسافة شكل أدبي جماليّة مختلفة عن الرواية الكلاسيكيّة ،وذلك بما
راهن فيه صاحبه على التجاوز والإبداع ،قصد تنطوي عليه من ترميز وإيحاء .ولا يخفى علينا هذا
تأسيس كيان روائي بآليات جديدة ورؤية مختلفة الاهتمام بالعنوان الذي يكتسي أهميّة مخصوصة
لجماليات العمل الفني ،في إطار التجريب الفني لا تق ّل عن المتن الروائي في ح ّد ذاته .وأ ّول ما
والبحث عن آليات جديدة قادرة على استيعاب فكر يطالعنا فيه التركيب الذي يحيلنا إلى علاقة متينة
الكاتب في المرحلة التاريخيّة الراهنة .فقد و ّظف بالنسيج الروائي وذلك من خلال احتوائه على
الحديث توظي ًفا جدي ًدا .فلئن اع ُتبر قدي ًما وسيلة جملتين :انطوت الأولى على فعل سردي حكائي
لإثبات أخلاقيّة الكتابة وتوثي ًقا لها ،فإ ّنه في «ح ّدث «ح َّدث» يحيل على انتقال الرواية عبر المشافهة،
أبو هريرة قال ”..مظهر من مظاهر التجريب م ّما يضعنا أمام حضور لافت لفن الحكاية يفصح
الفنّي يبعثه من صميم التراث ،فيعبّر عن قناعة عن اهتمام واضح بها ومن ث ّم قيمتها وسحرها
المسعدي بأن “لا شيء أطرف من جدة القديم”. عند العرب .وانطوت الثانية على فعل من أفعال
وبهذا فقد يجمع في فضاء ذهني الأصي َل القدي َم القول «قال» يم ّرر عبره الرواية من را ٍو أول إلى
ببئته الصحراو ّية والواف َد الدخيل ،ليرسم طريقه را ٍو ثان .ويكون المتن بذلك مقول قول يفصح عن
في مفترق بين الحضارة العربيّة الإسلاميّة التي صلة دقيقة بين الحديث والخبر .بهذا يغدو العنوان
يتج ّذر فيها وحضارة غربيّة يتطلّع إلى تجاربها معبِّ ًرا عن فضاء ذهني ،يكاد يختزل تاري ًخا كام ًل
من المشافهة ،يؤ ّصله ضمن تراث وتاريخ قديمين.
ومكتسباتها. ويبعثه في الحاضر شك ًل مختل ًفا في أحدث أنواع
وهذا التأصيل يتجاوز
«الحديث» شك ًل فنيًّا ضار ًبا القص .وهو ما يز ِّوده بأبعاد جديدة
في القدم إلى شخصيّة المتح َّدث تحلِّق به في فضاء رحب يتش ّكل ضمن
عنها «أبي هريرة» .هنا تبدو جملة من الثنائيّات .وأول ثنائيّة تحكمه،
الكتابة الروائيّة مشدودة إلى ثنائيّة الخارج والداخل ،وذلك من خلال
الماضي من زاويتين :الأولى ما ما يظهر في الخطاب ضمن ثنائيّة السند
سبق ذكرها وهي ما ارتبطت
ببنية الخبر وقيامه على ثنائيّة والمتن (ح َّدثت ريحانة قالت /ح َّدث
السند والمتن .والثانية ارتبطت أبو المدائن قال/
بحضور شخصيّة ذات بعد ح َّدث مكين بن
ديني .بهذا قد نستحضر
الفضاء المرجعي ecapse’L قيمة السعدي قال:
ح َّدثني هشام بن
أبي صفرة الهذلي
قال ،)..وهذا ما
محمود المسعدى