Page 40 - ميريت الثقافية- العدد (29) مايو 2021
P. 40

‫العـدد ‪29‬‬  ‫‪38‬‬

                                                       ‫مايو ‪٢٠٢1‬‬

     ‫حظ الشعر المحدث من التغيير‪ ،‬أي تغيير آفاق‬             ‫مخالفة سنة الصورة الشعرية‪ ،‬مما حذا بالناقد‬
 ‫التوقعات‪ .‬هل استطاع خرقه في اتجاه بناء جمالية‬             ‫إلى استحضار مقدمة المرزوقي عن الشعر التي‬
‫جديدة أم أنه ظل تنوي ًعا على أصل واحد وممارسة‬            ‫تعد مها ًدا مرجعيًّا للمتقبل للكتابة الشعرية‪ ،‬لأنها‬
‫في صلب العمود وإن بدت على هامشه؟ فبالرغم من‬               ‫على حد تعبير شكري المبخوت شفت عن هاجس‬
  ‫التراشق الجدي بين القدماء والمحدثين وما أثاره‬            ‫تنظيري رفيع‪ ،‬فهو يسعى إلى أمرين أساسيين‬
‫النقد القديم حول قضاياه ومنها «الطبع والصنعة»‬            ‫أولهما البحث فيما «يتميز به النظم عن النثر» أي‬
                                                       ‫النظر في الخصائص النوعية الملازمة للشعر وكيفية‬
  ‫لا يمكننا إلا أن نسجل مزية ذلك كله‪ ،‬في مفاجأة‬             ‫إدراكه على أساس اختلافه عن سائر الأقاويل‪.‬‬
    ‫المعنى الكلي وإحداث خلخلة في أفق توقع النص‬         ‫وثانيهما البحث في «قواعد الشعر التي يجب الكلام‬
 ‫وأفق توقع القارئ‪ ،‬بما هي آفاق نسقية ومرجعية‬            ‫فيها وعليها» بمعنى النظر في جملة المعايير المحددة‬
  ‫تحيط بالعمل الإبداعي ‪-‬الشعري‪ -‬لحظة ظهوره‬                ‫لقواعد اللغة الشعرية الواجب اتباعها عند النظم‪.‬‬
   ‫الوجودي‪ .‬والتي تشكل ‪-‬شئنا أم أبينا‪ -‬تجربة‬            ‫إن هذا المسعى المقدماتي للمرزوقي الذي يؤكد على‬
‫قبلية أدبية وتاريخية بلورت معايير للبناء والحكم‪،‬‬          ‫أن «عمود الشعر ليس إلا حك ًما جماليًّا يعبر عن‬
    ‫يمكن أن تنتهك تب ًعا لأنماط المخاطبين وشروط‬           ‫لحظة اكتمال في الذوق الشعري»(‪ )6‬أصبح محط‬
    ‫وجودهم‪ .‬لهذا كان لا بد «الإقرار بأن النقاد لم‬      ‫ارتياب وشك لدى جمهرة من الشعراء الذين خالفوا‬
                                                       ‫سنن الكتابة الشعرية‪ ،‬بإقرارهم لتقليد جديد يراعي‬
      ‫يخرجوا كل الشعر المحدث من مجال البلاغة‬            ‫سياقات التلفظ ومعايير الحكم الجمالي المتغير‪ .‬هذا‬
   ‫والجودة‪ ،‬فلما انتهى قرض الشعر إلى المحدثين‪،‬‬           ‫الأمر الذي أدى بدون شك إلى تحول جمالي مبني‬
                                                          ‫على أسس محددة‪ ،‬بناها شكري المبخوت على ما‬
     ‫ورأوا استطراب الناس للبديع على افتتانهم به‬           ‫يعرف في أدبيات «نظرية التلقي» بمنطق السؤال‬
 ‫أولعوا بتورده إظها ًرا للاقتدار وذها ًبا إلى الإغراب‬     ‫والجواب الذي استعاره ياوس من هانس جورج‬
  ‫فمن مفرط ومقتصد ومحمود فيما يأتيه ومذموم‬               ‫غادامير والمؤسس على «أن فهم العمل الأدبي هو‬
                                                       ‫بمثابة الفهم للسؤال الذي يطرحه هذا العمل للقارئ‬
   ‫وذلك على حسب نهوض الطبع بما يحمل ومدى‬                  ‫باعتباره جوا ًبا‪ ،‬لأن النص عندما يكون بين يدي‬
                  ‫قواه فيما يطلب منه ويكلف»(‪.)9‬‬          ‫المتقبل‪ ،‬يصبح موضو ًعا للتأويل منتظ ًرا جوا ًبا ما‬

 ‫إن هذا الإصرار على تجاوز عمود الشعر‪ ،‬أدى إلى‬                                ‫عن سؤاله»(‪ )7‬ولعل سؤال‪:‬‬
   ‫إبدال في التوقعات المنتظرة من الإبداع الشعري‪،‬‬                                           ‫‪ -‬الغموض‪.‬‬
    ‫بالانتقال من سلطة النموذج «عمود الشعر» ذو‬                                                ‫‪ -‬البديع‪.‬‬
   ‫الأفق الواحد والمطلق‪ ،‬إلى الأفق المفتوح النسبي‪،‬‬
                                                            ‫كما جاء في النص سؤالان مبنيان على فكرة ما‬
‫الذي غير بكل تأكيد آفاق انتظار المتلقين‪ .‬لكن تظل‬       ‫يمكن عده «ضرورة جمالية» لتزيين المبنى والمعنى‪،‬‬
  ‫التجربة الشعرية العربية القديمة والحديثة تتسم‬
  ‫بطابع الألفة المعبر عنها في عنوان الكتاب انطلا ًقا‬       ‫مع جعل الغموض شر ًطا تحديثيًّا لفعل الكتابة‪،‬‬
                    ‫من وحدة التصور والإنجاز‪.‬‬             ‫به يتكشف التحول وعليه يتأسس‪ .‬مرد ذلك طب ًعا‬
                                                          ‫ما ذكره الناقد بقوله «قطع الشعراء لحبل الوفاء‬
  ‫ب‪ -‬المفاهيم وتحديث فعل الكتابة‬                          ‫الرابط بينهم وبين تجربة أسلافهم لأنهم أحسوا‬
                                                       ‫بأن بنية القول الشعري القديم قد استنفدت طاقتها‬
‫يحقق الخطاب النقدي الأدبي قوته المعرفية‪ ،‬انطلا ًقا‬     ‫الجمالية‪ ،‬وتحجرت إلى حد يجعل الكتابة استنسا ًخا‬
 ‫من قدرة منتجه على توظيف المفاهيم وتكثيفها بما‬
‫يوافق مقام التحليل والارتهان إلى نوعية النصوص‬                                  ‫فاس ًدا لا كش ًفا خ َّل ًقا»(‪.)8‬‬
  ‫موضوع الاشتغال سواء أكانت قديمة أو حديثة‪،‬‬                 ‫بهذا ينتقل بنا صاحب «الألفة» إلى الحديث عن‬
   ‫إذ تتيح ‪-‬أي المفاهيم‪« -‬بهذا المعنى مجا ًل أوسع‬       ‫تداخل آفاق الانتظار‪ ،‬انطلا ًقا من سؤال هام مؤداه‬
    ‫للقراءة عبر إمكانية تحويلها والإيمان أي ًضا بلا‬
   ‫زمكانيتها استجداء بكل تأكيد بنسبية النظريات‬
   35   36   37   38   39   40   41   42   43   44   45