Page 39 - ميريت الثقافية- العدد (29) مايو 2021
P. 39

‫‪37‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫رؤى نقدية‬

     ‫القارئ الضمني أو القارئ المضمر‪ ،‬ويمثل قمة‬           ‫لا يقول المبدع ما يفهم؟ ثانيهما؛ لم لا يفهم القراء‬
   ‫ما جيء به من مفاهيم إجرائية بتميزه عن غيره‬            ‫ما يقال؟ وقد أضيف إلى ذلك سؤا ًل ثالثًا أراه من‬
                                                         ‫الأهمية بمكان يستفتح المغلق ويستدرج المخاطب‪،‬‬
       ‫من القراء الآخرين الذين جاءت بهم المقاربة‬       ‫إلى فهم النص وتتبع دلالاته وهو‪ :‬كيف يأتي المعنى‬
      ‫البنيوية والأسلوبية‪ ،‬كالقارئ الجامع لميشيل‬
 ‫ريفاتير والقارئ المثالي الذي ابتدعه فيش‪ ،‬والقارئ‬                                               ‫للنص؟‬
     ‫المعاصر‪ ..‬وأن المتقبل هو الوحيد المؤهل لقراءة‬       ‫في معرض إجابته عما تقدم يقول «وما ذاك العنت‬
   ‫النص‪ ،‬وإعادة إنتاجه من جديد‪ ،‬وبالتالي تحقيق‬
       ‫العملية التواصلية المتعلقة في مظانها القريبة‬        ‫فيما يبدو إلا دليل على أن الصحبة القديمة بين‬
   ‫والبعيدة بفعل القراءة‪ .‬لكن مع ذلك‪ ،‬ليس متقب ًل‬           ‫القارئ العربي وديوانه قد انقطعت وأن الألفة‬
                                                           ‫قد زالت فانفتح باب الحيرة ولا سبيل بادية إلى‬
        ‫حيًّا بل اعتبار ًّيا فقط‪« ،‬يرسم هياكل النص‬     ‫اليقين»(‪ .)2‬يتبين من خلال ذلك‪ ،‬أن شكري المبخوت‬
  ‫الموضوعية ملامحه وتنحت كيانه من حبر وورق‬                   ‫يحاول أن يبرز إشكالية قديمة حديثة‪ ،‬تتعلق‬
 ‫أو من أصوات بحسب مقامي الكتابة أو المشافهة»‪،‬‬              ‫أسا ًسا بفعل القراءة بما هو أس أي فعل كتابي‬
‫ويجسد التوجيهات الداخلية لنص التخيل لكي يتيح‬             ‫كان إبدا ًعا أو نق ًدا‪ .‬فالأسئلة التي يطرحها التفكير‬
  ‫لهذا الأخير أن يتلقى (‪ )..‬إنه القارئ الضمني هو‬          ‫النقدي‪ ،‬تتطلب إجابات والإجابات عنها هي ‪ -‬في‬
                                                       ‫نظر المؤلف‪ -‬الشيء الذي يبلور مفهوم الأدبية التي‬
    ‫تصور يضع القارئ في مواجهة النص في صيغ‬               ‫«تمتد إلى خارج النص فتكون جماع العلاقات التي‬
   ‫موقع نصي يصبح الفهم بالعلاقة معه فع ًل»(‪.)5‬‬           ‫تنشأ بين البنية وطرق التخاطب والسياق وهو ما‬
  ‫كما أن للمتلقي سلطة معيارية تحدد كيفية القول‬            ‫سنسعى إلى اختباره في هذا العمل متسائلين عن‬
   ‫الشعري‪ ،‬وتطرح أمام المبدع تحد ًيا كتابيًّا ينطلق‬       ‫مدى مساهمة المتقبل في تحديد خصائص القول‬

             ‫من البنية واللغة والمعنى ثم الأسلوب‪.‬‬                              ‫الأدبي كما فهمه النقاد(‪.)3‬‬
 ‫لذا فالتلقي الأدبي قد فرض على المتقبل نم ًطا معينًا‬   ‫يوضح الكاتب مستويات النص والقارئ وعلاقتهما‪،‬‬
 ‫من فنون القول تتماشى مع ما يمكن اعتباره جه ًرا‬
                                                           ‫أو ًل مستوى الانفعال أو تقبل النص‪ ،‬وهو أول‬
      ‫في الأداء الشعري‪ ،‬كما فرض هذا الأمر نفسه‬             ‫موضع لرصد «الأدبية» وقد أطلق عبارة التلذذ‬
   ‫على النقد والبلاغة العربيين‪ ،‬فأصبح الحديث عن‬          ‫الأدبي‪ ،‬على ما يحدثه النص من وقع لدى المتقبل‪.‬‬
                                                           ‫ويروح الباحث يتلمس الشعور بهذا التلذذ لدى‬
            ‫مقتضى الحال‪ ،‬ومطابقة المقال للمقام‪.‬‬           ‫النقاد القدامى محاو ًل معرفة المظاهر الحركية أو‬
‫بهذا التحديد الضروري للمخاطب = المتقبل‪ ،‬أمكننا‬             ‫الإجراءات الفعلية التي يثيرها هذا الشعور‪ ،‬كما‬
                                                       ‫يأخذ على النقاد القدامى وقوفهم عاجزين عن تعليل‬
     ‫استحضار ردود أفعال النقاد‪ ،‬تجاه النصوص‬              ‫أثر النص في المتقبل‪ ،‬ومن ثم عجزهم عن استكناه‬
 ‫الأدبية؛ النثرية منها والشعرية‪ ،‬والتي أثارت فيهم‬      ‫سر الجودة في نص ما‪ .‬مع العلم أن المتقبل موجود‬
 ‫كثي ًرا من المفاهيم النقدية مثل فكرة‪ ،‬اللفظ والمعنى‪،‬‬  ‫على نحو من الأنحاء في النص‪ ،‬فهو يسهم في فرض‬
‫والطبع والصنعة والموازنات والسرقات والوساطات‬              ‫البنية التي يجب أن يكون عليها القول ويدس في‬
                                                            ‫الخطاب اندسا ًسا بمقتضاه معيا ًرا من معايير‬
   ‫التي تطورت لتصبح أكثر إنتاجا وفاعلية‪ ،‬عندما‬           ‫الجودة وبلوغ الحل الأسمى من الأدبية»(‪ .)4‬ولعل‬
     ‫أصبحنا نتحدث عن «التلقي النقدي» والعدول‬               ‫هذا الأمر يعد جوهر نظرية التلقي الألمانية التي‬
         ‫الجمالي عن النص» و»سنن القراءة»‪ ..‬إلخ‪.‬‬           ‫شددت على فعل المتلقي للإسهام في تطور الأدب‬

  ‫أما الباب الثاني الموسوم بـ»أفق الانتظار‪ :‬الشعر‬                                         ‫وبناء المعنى‪.‬‬
   ‫أنموذ ًجا‪ ،‬فقد اتجه نحو امتلاك وأجرأة موضوع‬                 ‫والمتقبل الضمني الذي يركز عليه الناقد في‬
    ‫جمالية التلقي‪ ،‬بالنزوع نحو الحديث عن النص‬             ‫دراسته يوازيه في براديغم جمالية التلقي مفهوم‬
 ‫المحدث ولحظة العدول الجمالي‪ ،‬وقو ًفا عند مظاهر‬
 ‫هذا العدول وتجلياته الواضحة في ما أسماه الناقد‬
    ‫بسنة القراءة‪ ،‬على مستويات أربع‪ ،‬مخالفة سنة‬

     ‫اللفظ‪ ،‬مخالفة سنة النظم‪ ،‬مخالفة سنة المعنى‪،‬‬
   34   35   36   37   38   39   40   41   42   43   44