Page 47 - ميريت الثقافية- العدد (29) مايو 2021
P. 47

‫بدت علاقة العنوان الخارجي بثنائ ّية‬                                                 ‫توفيق بكار‬
  ‫السند والمتن واضحة في الكشف عن‬
  ‫خصوص ّية التجربة الإبداع ّية‪ ،‬وتشكيل‬                             ‫أ ّما “حديث الغيبة تطلب فلا ُتد َرك” ففيه‬
‫الفضاء الذهني في الرواية‪ ،‬وذلك ضمن‬                              ‫يص ّور المسعدي طلبًا سرعان ما يرت ّد وه ًما‬
   ‫رؤية يع ّبر بها الكاتب عن أفكار أبي‬                        ‫أمام شهوة النفس وفتنة الشيطان يف ّجر اللذة‬
‫هريرة ورؤيته للكون والحياة‪ .‬هذا فضًل‬                       ‫في أعماق «ظلمة»‪« ،‬فإذا للجسد م ّس الجديد المُعا ِد‬
   ‫ع ّما حضر من عناوين داخل ّية لها صلة‬
                                                                              ‫الخلق»(‪ ،)6‬فيهبطان الأرض‪.‬‬
    ‫وثيقة بالعنوان الخارجي‪ ،‬يمكن أن‬                            ‫إ ًذا فالحديث عن العناوين الداخليّة إعلان عن‬
‫تش ّكل هذا الفضاء الذهني وتفصح عنه‬                         ‫مراحل التجربة الوجود ّية لأبي هريرة من الح ّس‬
                                                            ‫إلى الجماعة‪ ،‬ومن الجماعة إلى الدين وصو ًل إلى‬
    ‫إلى واقع جديد من ناحية ثانية‪ ،‬هو أسا ًسا تح ّول‬            ‫الفكر‪ ،‬ويكون البطل في ك ّل ذلك الخيط ال ّرابط‬
     ‫من السكون إلى الحركة والفعل‪ ،‬ومن الحياة بين‬            ‫والنابض‪ .‬ورغم اختفاء منطق التتابع الزمني في‬
   ‫الأموات إلى الرغبة في العيش بامتلاء‪ .‬إ ّنها الكينونة‬   ‫هذه الأحاديث إلاّ أ ّننا نلمس محاورة بين كل بعث‬
    ‫المفقودة التي يرحل في سبيل امتلاكها من مرحلة‬           ‫وبعث‪ ،‬وبين كل رحيل ورحيل في مسيرة البحث‬
    ‫كان فيها رج ًل عاد ًّيا إلى حياة جديدة يصبح فيها‬      ‫عن الوجود‪ .‬ففي «حديث البعث الأول» (على سبيل‬
      ‫بط ًل مغام ًرا يرتاد ولا ينزل‪ ،‬واستحالة ص ّعادة‬          ‫المثال) يثير منذ عنوانه الجزئي تجربة البعث‬
    ‫يواجه الفناء ويسعى إلى ملء الكيان‪ .‬يقول البطل‬         ‫والمقصود به ليس البعث الميتافيزيقي‪ ،‬وإ ّنما البعث‬
 ‫«فذهب ذلك بما تصنّع ُت من العزم‪ ،‬وكان البع ُث»(‪.)8‬‬        ‫الوجودي‪ ،‬وذلك عبر انقلاب وتح ّول تفكير البطل‬
  ‫فيخرج أبو هريرة في هذه التجربة عن جسد مفقود‬               ‫ورؤيته للوجود والحياة‪ ،‬وهو استجابة لصديق‬
   ‫وعى وعيًا بالذات يتخ ّطى حدود وعيه الأ ّول‪ ،‬فإذا‬           ‫من خلال ما ورد في قول أبي هريرة‪« :‬جاءني‬
    ‫الجسد وسيلة تح ّرر من العالم الموجود الذي كان‬           ‫صديق لي يو ًما فقال‪ :‬أح ُّب أن أصرفك عن الدنيا‬
  ‫يحياه ساب ًقا إلى العالم الجديد والمنشود الذي يرغب‬     ‫عا ّم ًة يوم من أيام َك‪ ،‬فهل لك في ذلك؟»(‪ ،)7‬وما يلفت‬
    ‫في تأصيله‪ .‬ث ّم يأتي العنوان الجزئي الأخير الذي‬          ‫الانتباه صفة التنكير للصديق خلا ًفا لما سيكون‬
                                                          ‫في «حديث البعث الآخر»‪ ،‬وكأ ّن الرغبة متولّدة من‬
      ‫تنغلق به الرواية والتجربة على السواء‪ .‬فتنغلق‬       ‫وعي محدود أو من عدم‪ ،‬رغبة متلاشية في الضمير‬
  ‫معهما مسيرة أبي هريرة ليعلن عن النهاية‪« :‬حديث‬             ‫أو اللاوعي ولّدت فيه عزو ًفا عن الماضي والأمل‬
   ‫البعث الآخر»‪ ،‬مسار جديد يتح ّول فيه القص نحو‬           ‫في التح ّرر والانعتاق من قيوده من ناحية‪ ،‬والتطلّع‬

    ‫المطلق ويتح ّول النص‪ ،‬نحو النهاية‪ ،‬وبينهما مدار‬
      ‫من التأويل‪ ،‬تح ّول من الأرض إلى السماء وهو‬
     ‫الرحيل الآخر‪ ،‬هو دعوة من أبي هريرة لصديق‬
     ‫آخر‪ ،‬ولكنّه مع ّرف بالاسم المعلوم (أبو المدائن)‪،‬‬
       ‫لعلّه صورة أبي هريرة في الماضي‪ ،‬قبل البعث‬
   42   43   44   45   46   47   48   49   50   51   52