Page 135 - ميريت الثقافية رقم (34)- أكتوبر 2021
P. 135

‫‪133‬‬  ‫تجديد الخطاب‬

    ‫وجدلية النقل والعقل‪ ،‬ومنزلة‬           ‫نال ابن سينا نصيبًا موفو ًرا‬    ‫ويعتبرونه المعلم الأول‪ ،‬وقد عنوا‬
‫النبي ومنزلة الفيلسوف‪ ،‬ويقربنا‬          ‫منها‪ ،‬ولعلها سوف تتجسد في‬          ‫بعلاج الصلة بين الله تعالى وبين‬
‫أبو حيان التوحيدي من هذا الجو‬           ‫مشروعه الفلسفي أي ًضا‪ ،‬ومن‬        ‫خلقه‪ ،‬وحاولوا التوفيق بين الدين‬
‫الثقافي الذي ساد بغداد‪ ،‬ومن آراء‬       ‫الأسماء التي باشرها ابن سينا‬        ‫والحكمة مما أنزله الله جل شأنه‬

   ‫العلماء والفلاسفة والأدباء من‬            ‫بالعلاج الطبي مجد الدولة‬          ‫على رسله صلوات الله عليهم‪،‬‬
 ‫قضايا الدين والأخلاق والفلسفة‬         ‫حسن بن بويه الذي عانى كثي ًرا‬         ‫وما جاءت به فلسفة الفلاسفة‪،‬‬
‫بقوله‪« :‬قال الوزير‪ :‬وكان عيسى‬                                               ‫وحكمة الحكماء‪ ،‬وقد جهدوا في‬
  ‫بن ُزرعة سرد عليَّ سنة سبعين‬             ‫من مرض عضال‪ ،‬وقابوس‬               ‫التوفيق بينها‪ ،‬وأخذوا في نظم‬
                                          ‫بن باشمكير وعلاء الدين بن‬       ‫الصلة بينها‪ ،‬ومزجوا بحوثهم بما‬
      ‫ليالي كانت الأشغال خفيفة‪،‬‬          ‫كاكاويه بأصفهان‪ ،‬كما ُع ِرف‬       ‫يتوافق مع عقائدهم‪ ،‬وما يدينون‬
    ‫والسياسة بالماضي ‪-‬ن َّور الله‬        ‫عن ابن سينا بتشبعه بالحس‬
   ‫قبره وضريحه‪ -‬عامة‪ ،‬والنظر‬           ‫الديني من خلال بحوثه العلمية‬            ‫به متلمسين بسطة وروحة‪،‬‬
                                      ‫واتباعه أسلو ًبا فري ًدا في التوصل‬    ‫إرضاء لعقولهم‪ ،‬وطاعة لربهم‪،‬‬
      ‫بالحسنى شام ًل‪ ،‬أشياء في‬          ‫إلى حلول فلسفية مجردة‪ ،‬مما‬        ‫ومع أنهم طبعوها في أكثر كلامهم‬
  ‫الخلق أتى بها على عمود ما كان‬        ‫يعكس جوهر شخصيته المؤمنة‬             ‫بالطابع الديني فإنهم لم يشاءوا‬
   ‫في نفسي‪ ،‬وذلك أنه ذكر العقل‬         ‫المحيلة على أسرار القوة الإلهية‬     ‫إهمال ما في الفلسفة من عويص‬
 ‫والحمق‪ ،‬والعلم والجهل‪ ،‬والحلم‬       ‫وقدرات الخالق عز وجل‪ ،‬والدليل‬          ‫المسائل وغريب الآراء والمشاكل‬
                                     ‫على ذلك أنه كثي ًرا ما لجأ ‪-‬وسنه‬      ‫فاستوعبوها‪ ،‬وتبسطوا فيها»(‪.)3‬‬
    ‫والسخف‪ ،‬والقناعة وال َّش َره‪..‬‬       ‫لم تتجاوز الثمانية عشر‪ -‬إلى‬         ‫امتلك ابن سينا ناصية العلاج‬
   ‫فلقي ُت عيسى وع َّرف ُته الحديث‪،‬‬    ‫التوضؤ ثم تأدية الصلاة‪ ،‬حيت‬
   ‫وأملى ما رسم ُت ُه في هذا الجزء‪،‬‬      ‫يصلي ركعتين ويبتهل إلى الله‬            ‫الطبي التي هي صادرة عن‬
                                          ‫حتى يفتح عليه المغلق‪ ،‬ويفك‬         ‫حس أخلاقي رفيع‪ ،‬حيث عالج‬
      ‫وعرض ُت ُه على أبي سليمان‪،‬‬         ‫سخائم المعرفة‪ ،‬ويفيض عليه‬
‫فرضي ُه بعض الرضا‪ ،‬ولم يسخط‬              ‫الحلول وهو في حالة خشوع‬              ‫مجموعة من الأمراء والخلفاء‬
‫كل السخط‪ ،‬وقال‪ :‬تحديد الأخلاق‬          ‫وتدبر‪ ،‬فلا غرابة أن يصدر مثل‬            ‫والوزراء بما أوتي من حكمة‬
                                     ‫هذا السلوك المتخلق عن ابن سينا‬         ‫وتبصر ومعرفة عميقة بأحوال‬
  ‫لا يصح إلا بضرب من التجوز‬              ‫لأنه تلقى تعاليم الإسماعيلية‬     ‫الجسم واختلاله النفسي والبدني‪،‬‬
   ‫والتس ُّمح‪ ،‬وذلك أنها متلابسة‬        ‫في سن مبكرة‪ ،‬وأل َّم بفلسفتها‪،‬‬          ‫مما يكشف للباحثين الحس‬
   ‫تلاب ًسا‪ ،‬ومتداخلة تداخ ًل «(‪.)5‬‬     ‫وإن كان عقله الواعي لم يتقبل‬          ‫الديني والأخلاقي الذي تشبع‬
    ‫لقد حاولت كل طائفة من هذه‬          ‫مبادئ هذه الحركة‪ ،‬ولكنه حت ًما‬      ‫بهما ابن سينا منذ الطفولة‪ ،‬فهو‬
     ‫الطوائف التي ورد ذكرها في‬        ‫تأثر بآرائها‪ ،‬كما لا ننسى طبيعة‬        ‫ينقل لنا بنفسه حجم السعادة‬
    ‫ليالي الإمتاع والمؤانسة فرض‬       ‫النشأة عند ابن سينا التي عايش‬           ‫التي أحس بها حينما عثر على‬
‫معتقداتها تارة بالمجادلة الحسنة‪،‬‬      ‫جو المناظرة والجدل والمحاورات‬            ‫كتاب أبي نصر الفارابي «ما‬
  ‫وتارة بالحجة والبرهان‪ ،‬وتارة‬       ‫الكلامية بين الحركات الدينية مثل‬        ‫بعد الطبيعة»‪ ،‬يقول ابن سينا‪:‬‬
                                      ‫الإسماعيلية الباطنية والهرمسية‬        ‫«وتصدقت من ثاني يوم بشيء‬
        ‫بالمغالطة والقلب للحقائق‬
     ‫والتهافت الفلسفي‪ ،‬فتعددت‬                     ‫والقدرية والمعتزلة‪.‬‬            ‫كثير على الفقراء شك ًرا لله‬
  ‫التأويلات وصار كل فريق يدلي‬             ‫إزاء هذه الشخصية الملتزمة‪،‬‬                            ‫تعالى»(‪.)4‬‬
‫بدلوه في شأن الأخلاق والسياسة‬             ‫شاع الاختلاف المذهبي بين‬
  ‫والشريعة والمعاد والقدر‪ ،‬حتى‬           ‫الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين‬        ‫هذا المعطى يجسد بالنسبة إل َّي‬
  ‫انتهوا جميعهم في نهاية المطاف‬         ‫حول إشكالية الدين والفلسفة‪،‬‬        ‫البعد العملي في العلوم والمعارف‪،‬‬
    ‫إلى العداوة والشحناء فتفشت‬
   ‫الفتنة وتفرقت الأمة الإسلامية‬                                               ‫وبالتالي فهو تجسيد للحكمة‬
                                                                                ‫العملية التي تتزاوج بشكل‬
         ‫أحزا ًبا وشي ًعا ومذاهب‪.‬‬
                                                                            ‫تلقائي مع الحكمة النظرية التي‬
   130   131   132   133   134   135   136   137   138   139   140