Page 58 - حلقة دراسية - نهائية
P. 58
المتلقي ،استخدمت شهر ازد صيغة الماضي أثناء سردها لليالي ،وهو زمن التخلي لأن ما ترويه أمام الملك قد سبق
السرد ،والذي يظهر لنا أن المدون الأول لليالي لم يجعلها متساوية الطول في كل ليلة ،ولعل ذلك عائد إلى موعد أوبة
الملك إلى ف ارشه مبكًار أو متأخًار ،مما يطيل أو يقصر فترة السرد .لذلك جاءت نصوص الليالي الخاصة بكل ليلة
غير متساوية ،وقد كان السرد الشهر ازدي بمثابة نوع من رد الفعل على الهيمنة الذكورية ،وشكلاً من أشكال التمرد
الأنثوي على الثقافة الذكورية التي حطت من قيمة الم أرة الخائنة وسجنها في مفاهيم ثابتة فعملت شهر ازد على استبدال
صورة الم أرة الخائنة بالم أرة الهادئة العزيزة ،والفحولة التي تعتمد على الوجود العضلي ،بالحكمة التي تقوم على
الحضور الفكري واللسان الذي لا يبقى بص ارحة شيء بالقلم الذي يتولى تسجيل كل شيء.106
ومن هنا فإننا نرى أن شهر ازد اعتمدت تقنيات الم اروغة والحيلة ،لتحقيق أهداف متباينة يمكن تحديدها في:
-0الإعلام من قيمة العقل الذي يمارس حرية اختياره المعرفي على المستوى الاعتقادي لمواجهة الن ازعات التسلطية.
-2الانتصار للم أرة في مواجهة القمع الذكوري على المستوى الاجتماعي والمعرفي ،ومن ثم تأكيد حضورها الواعد
في أدوارها الصاعدة ابتدا ًء من قصور الأم ارء إلى ما آلت إليه الآن.
فقدرة شهر ازد على الحكي الذي جمع بين ما هو واقعي ،وما هو مثالي جعلها تتقن وبمهارة مزج الغامض
بالمستحيل ،جعلها تقنع شهريار وتوهمه أن المروي من العجائب والغ ارئب مجاور للواقع .فكانت حكايتها له متعة
تزداد بازدياد الخيال والخوارق ،وقد استطاعت بفضل سحرها وما نسج حولها من هالات أسطورية وعجائبية أن
تدخل مجال الأدب بقوة وأن تصنع لنفسها مكانة ارقية وسط مجتمع ذكوري لا يعترف بعبقرية الأنثى وقدرتها على
التميز والإبداع ،فأصبحت رمًاز أسطو ًرّيا.
وعليه يمكن القول إن حكايات الليالي تمتد بعيًدا لتشمل حضا ارت ومدًنا قامت عبر التاريخ ،لأنها حكايات
عربية ،وفارسية ،وهندية ،ويونانية .وقد كان للمثاقفة الحضارية بين الأمم والحضا ارت دور كبير في جعل ألف ليلة
وليلة عملاً عظي ًما ،متشعب المعارف والاتجاهات الفكرية ،وفضا ًء واس ًعا تلتقي فيه مدن العالم الكثيرة ،وتتجاور
وتقيم علاقاتها الإنسانية ،والاجتماعية ،والسياسية ،والتجارية.
106مدحت ،رؤذان .الدراما النسائية في المسرح العربي الحديث .ط .2الأردن :دار غيداء للنشر والتوزيع ،1124 ،ص ،39ص.211
58