Page 24 - مسيلة للدموع
P. 24

‫بدأ تج ُّمع المتظاهرين‪ ،‬وبدأ الهتاف الغاضب المتحايل على الذكرى لتعيد إليهم روح الثورة الغائبة من‬
                                                       ‫جديد‪ ،‬ولكن كيف لها أن تعود ورفاق الثورة متفرقون؟‬

      ‫الجميع أخطأ في حق الثورة عندما حل الخلاف‪ ،‬فلها كل الحق في أن تغضب‪ ،‬وتأبى أن تعود حتى‬
      ‫يعودوا هم كما كانوا من قبل‪ ،‬متحدين على الحق في وجه الباطل‪ ،‬وان اختلفت الطرق والوسائل والأفكار‪.‬‬

      ‫ولم تمر دقائق‪ ،‬وبدأت بعض القنوات تبث مشاهد التظاهرة بثا رديئا‪ ،‬فهو ما كان إلا بثا عبر الإنترنت‪،‬‬
      ‫وهو ما كان متاحا لمن يريد أن يبث تظاهرة؛ فمن الصعب أن يتم بث تلك الأحداث من خلال م ارسلين‬
      ‫وقنوات متخصصة كما كان يحدث من قبل‪ ،‬فالقبضة الأمنية أصبحت عنيفة‪ ،‬والحصار على وسائل‬
      ‫الإعلام والصحفيين أصبح خانقا‪ ،‬فقد حدث كثي ار أن اعتقلت قوات الأمن صحفيين‪ ،‬وصادرت كامي ارتهم‬
      ‫وأدواتهم الصحفية‪ ،‬بل وصدرت في حق بعضهم أحكاما بسنوات حبس مشددة‪ ،‬دون أدنى ذنب سوى‬

                 ‫ممارستهم لعملهم بشكل طبيعي‪ ،‬وتم قتل الكثير من الصحفيين والمصورين في أحداث متفرقة‪.‬‬

      ‫وما إن بلغ الهتاف ذروته‪ ،‬وبدأ الغضب المتصاعد من حناجر الهاتفين ينفجر‪ ،‬حتى حضرت قوات‬
      ‫الأمن‪ ،‬وأصبح الهواء بعضه رمادي والآ َخر أبيض من تأثير القنابل المسيلة للدموع‪ ،‬وقد خفت صوت‬

                       ‫الهتاف أمام الكّر والفّر الحادثين‪ ،‬وأصوات عربات الأمن المركزي‪ ،‬وطلقات الخرطوش‪.‬‬

      ‫وبالرغم من تضاعف الغضب الذي دفع الجميع للهتاف بصرخات أعلى‪ ،‬إلا أن الهتاف لم يعد من ّظما؛‬
      ‫فقد تشتت‪ ،‬وتداخلت الأصوات كلها معا‪ ،‬فالكل يصرخ منفردا‪ ،‬ولا أحد يسمع غير صوت الغضب الهادر‬

                                                                            ‫الصادر من أعماق نفسه فقط‪.‬‬

      ‫بدأت أجساد المتظاهرين تهوى على الأرض‪ ،‬وبدأ يتداخل مشهد الدماء الأحمر مع مشهد الهواء الرمادي‬
      ‫لتزداد الأجواء غضبا وح اررة‪ ،‬وبدأ حمل المصابين‪ ،‬لا سيارة إسعاف ولا حتى مستشفى ميداني‪ ..‬احمل‬

                                                         ‫المصاب الذي تلتقيه واجِر به إلى حيث لا تدري‪..‬‬
                                                                          ‫لا تسأل أحدا؛ فالجميع لا يدري‪.‬‬

      ‫حملة اعتقالات عشوائية‪ ،‬إن مهمة اليوم سهلة‪ ،‬فأعداد المتظاهرين ليست بالضخمة‪ ،‬وتكفي بعض‬
      ‫الاعتقالات العشوائية‪ ،‬وحفنة من رصاص الخرطوش ال ُمزّين بالقنابل المسيلة للدموع؛ فإنها تضفي خلفية‬
      ‫ارئعة للمشهد وينتهي الأمر! هكذا يفكر شياطين الشرطة عند فض أي تظاهرة‪ ،‬متعة الإج ارم المنطلقة من‬

                                                                                        ‫ِهستيريا السادّية‪.‬‬

‫‪24‬‬

                                                                                            ‫مسيلة للدموع‬
   19   20   21   22   23   24   25   26   27   28   29