Page 28 - مسيلة للدموع
P. 28
أُقيم حفل الخطوبة في منزل حورية ،الحفل الثائر المشتعل ،الذي تحَّول إلى شبه مظاهرة من ترديد
الحاضرين للهتافات الثورية ،فالثورة هنا سيدة الموقف ،الثورة تغار ،لا تقبل أن يسهو عنها الثائرون ،ولا
حتى أن يقيموا حفلا دون أن يرسلوا لها كارت دعوة خصيصا.
فهي من عّلمتهم أن الفرحة الحقيقية لا تأتي إلا من خلالها هي ،ثورة ثم تضحية وألم ثم فرحة عارمة ثم
ثورة من جديد للحفاظ على تلك الفرحة من سارقيها..
وبذلك تكون الثورة أولا ،والثورة أخي ار..
تلك هي القاعدة.
تجمعت الفتيات في صالة المنزل الواسعة حول حورية ،وبدأن في الهتاف والتصفيق ،ومن عجائب
المرحلة ترديد الهتافات الغاضبة في أجواء سعيدة ،فتفرض الأجواء السعيدة السعادة على الهتافات
الغاضبة ،فتنطلق من أفواه الهاتفين بسعادة تبدد كل الغضب المحمول في معانيها الأصلية.
أما عن الرجال فقد تجمعوا في مدخل البيت السفلي ،هنا حيث الأجواء الأكثر شغبا ،والألعاب النارية
والشماريخ ،وبالطبع الهتافات ،هنا حيث ص ارع الأجيال بين تأني الرجال كبار السن محاولين إسكات
الشباب عن الهتاف؛ منعا للخطر ،وبين حماس الشباب المندفع ال ارفض أن يسير جنبا إلى جنب مع
الحائط ،ويستفز الخطر استف از از ،ولا يبالي..
ومع ذلك حرص آسر وحورية وأصدقائهما أن ينتهوا من الاحتفال سريعا قبل أن يحضر الأمن كالمعتاد
إذا ما شّم ارئحة تجمع أو أح ّس هتافا.
وقبل نهاية الاحتفال لا بد من عهد ملموس يصّدق على هذا العهد المحسوس.
حملت أم حورية العلبة التي تحتوي على خاتمي الخطوبة لحورية وآسر ،العلبة الحم ارء الموضوعة على
طبق معدني أنيق ،وفوقه مفرش من الشيفون المزركش بألوان الذهب والفضة.
تناولت أم آسر خاتم حورية المناسب جدا لذوقها الرقيق ،فقد كان عبارة عن حلقة رفيعة من الذهب
الملتوي بشكل لا يجعله أملس تماما ،وبه فص واحد يتوسطه ،كالقمر الذي يظهر قبل غروب الشمس
ليطمئنها أنه بجانبها سيتولى مهمة إضاءة الأرض إذا ما اضطرت للرحيل ،والى أن تعود.
وكذلك آسر ألبسته أمه خاتمه الفضي الذي ُنقش في حلقته الداخلية تاريخ ال ِخطبة محسوبا بالسنة
الهجرية ،وأول حرف من اسميهما بالعربية.
28
مسيلة للدموع