Page 25 - مسيلة للدموع
P. 25
وفي وسط كم الضجيج ،فجأة ،تعالى صوت ص ارخ وكأنه فاق في علّوه كل الصخب المحيط ،وكأن لا
صوت أصلا غير صوت ذلك الص ارخ!
إنه صوت عادل عندما أرى زوجته دينا سقطت على الأرض ،وبدأت ملابسها تتلون بلون الدماء ،لم تكن
غائبة عن الوعي ،فقط كانت تصدر أَّنات خافتة من تأثير الألم تكاد لا تُس َمع.
ارتمى عادل على الأرض بجانبها ،وكأن مدفعية أصابته ،فإن ألمه عليها فاق ألمها من الرصاص بكثير.
وضع يده المرتعشة على شعرها ،ومررها على وجهها محاولا طمأنتها ،وقال لها:
-لا تقلقي ،إنها مجرد طلقات خرطوش ،ستكونين بخير ،لا تقلقي ،إن ِك بخير.
حملها عادل ،وهو لا يدري أين موضع قدميه ،حتى أنه لا يرى شيئا غير الضباب الرمادي الذي تحول
في عينيه أسوَد ،وأصبح الوجود كله أسَوَد في أسَوَد ،تماما كلون عينيه..
حملها ،وظل يصرخ ،ويطلب النجدة ،ص ارخ لم يصدره من قبل عندما أصيب برصاصة حية في (أحداث
محمد محمود)..
إن عنده أن تُنثَر الطلقات في جسده ،حتى لا يبقى فيه موضع خا ٍل من الرصاص ،أهون عليه ألف مرة
من أن يرى حبيبته وزوجته ورفيقة كفاحه وأحلامه تنزف وتتألم ،وهو يحملها ولا يستطيع فعل شيء.
كانت دينا محمولة على يد عادل ،وكلتا يديها ملتفتان حول عنقه ،متشبثتان به بقوة ،كالغريق الذي تعلق
بقشة.
حدث كل ذلك في ثوا ٍن معدودات ،ولكنها مرت كساعات طويلة كئيبة وثقيلة ،كلحظات الكابوس التي لم
تتجاوز ثوا ٍن ،ولكن َك تشعر أنك أمام فيلم ت ارجيدي مدته ثلاث أو أربع ساعات.
وما إن سمعت تالا ص ارخ عادل حتى أح ّست فجأة أن خنج ار قد ُطعن في قلبها ،لم تكن منتبهة لما حدث
مع دينا قبل سماع ص ارخ عادل.
أح ّست أن الكون كله من حولها اختفى ،حتى الهواء بما يحمله من لون الغاز والنار اختفى من أمام
ناظريها ،ومشهد عادل يحمل دينا هو المشهد الوحيد الذي ت اره بوضوح.
ه َّمت تجري وهي تصرخ صرخات عشوائية لا يُفهم منها شيء غير نداء (دينا).
ولكن منعتها مسكة خبيثة كادت تخلع ذ ارعها..
25
مسيلة للدموع