Page 21 - ميريت الثقافة رقم (33)- سبتمبر 2021
P. 21

‫‪19‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫رؤى نقدية‬

                                             ‫‪..‬‬                                 ‫نخترق المدينة كالسرطان‬
                                    ‫بلادي تنهار‬                                                       ‫‪..‬‬
                      ‫ترتجف عارية كأنثى الشبل‬
                       ‫وأنا أبحث عن ركن منعزل‬                                      ‫نحن الشبيبة الساقطة‬
                      ‫وقروية يائسة أغرر بها(‪.)90‬‬                           ‫والرماح المكسورة خارج الوطن‬
     ‫ووصف الشعر بأنه جيفة خالدة أمر مثير على‬
      ‫مستوى الصورة‪ ،‬ومستوى الدلالة على عدمية‬                                                          ‫‪..‬‬
    ‫الشاعر‪ ،‬واستسلامه للهزيمة‪ ،‬وبحثه عن طريق‬                                  ‫نتحدث عن الحزن والشهوة‬
 ‫رخيص يلهيه عن ِع َظ ِم فقد الوطن‪ ،‬بما ينطوي عليه‬                        ‫وخطوات الأسرى في عنق فيروز‬
              ‫من احتراق الشاعر‪ ،‬واحتراق كلماته‪:‬‬
                                     ‫كنت جائ ًعا‬                                  ‫وغيوم الوطن الجاحظة‬
                         ‫وأسمع موسيقى حزينة‬                             ‫تلتفت إلينا من الأعالى وتمضى(‪)86‬‬
                                                         ‫إنه التشظى والانكسار النفسى يبدو في هذا التنافر‬
                                             ‫‪..‬‬         ‫الدلالي مثل الوحول الصافية كعيون الأطفال‪ ،‬وغيوم‬
              ‫لمن هذه القبور المنكسة تحت النجوم‬
                                                                                        ‫الوطن الجاحظة‪.‬‬
                          ‫هذه الرمال التي تعطينا‬          ‫وهي ‪-‬وغيرها كثير‪ -‬تحتاج إلى كثير من ترويض‬
                   ‫فى كل عام سجنًا أو قصيدة(‪)91‬‬
      ‫إنها المفارقة بين ظلام الموت وإشراق النجوم‪،‬‬                                   ‫المتلقى للإمساك بها‪.‬‬
                ‫وارتباط القصيدة بالسجن والموت‪:‬‬           ‫ولولا صدق «الماغوط» في تعبيره عن خصائص فنه‬

                      ‫على وجوه الأمهات والسبايا‬            ‫الرامز‪ ،‬ولولا هذا الإيقاع الداخلي الذي يسري في‬
                       ‫على رفات القوافي والأوزان‬        ‫أوصال هذه السطور‪ ،‬ولولا البكاء على أطلال الوطن‪،‬‬

                           ‫سأطلق نوافير العسل‬              ‫ومفارقة الاغتراب عنه والاغتراب فيه‪ ،‬لما استطاع‬
                      ‫سأكتب عن شجرة أو حذاء‬              ‫المتلقى التواصل مع شعره‪ ،‬يقول من هذه القصيدة‪،‬‬

                               ‫عن وردة أو غلام‬                                                    ‫أي ًضا‪:‬‬
                               ‫ارحل أيها الشتاء‬                                   ‫ابتسم أيها الرجل الميت‬
                                                                              ‫أيها الغراب الأخضر العينين‬
                                             ‫‪..‬‬
                              ‫لا أشعار بعد اليوم‬                                    ‫بلادك الجميلة ترحل‬
                         ‫إذا صرعو ِك يا لبنان(‪)92‬‬                    ‫مجدك الكاذب ينطفئ كنيران التبن(‪)87‬‬
‫وكما تطرد كاف التشبيه في شعر الماغوط بمفارقتها‬             ‫وهذه القصيدة ‪-‬كغيرها من شعر الماغوط‪ -‬فيها‬
 ‫بين وضوح الصورة وغموضها‪ ،‬لأن الكاف وسيلة‬                 ‫هذه المكامن المؤثرة مع مراوغتها وغرابة صورها‪،‬‬
    ‫لتوضيح التشبيه‪ ،‬بينما الصورة غامضة‪ ،‬تطرد‬               ‫وسيريالية رؤاها‪ ،‬وفيها ما قدمناه من تأبيها على‬
  ‫كذلك أساليب النداء خاصة أيها وأيتها علّها تحمل‬          ‫التواصل مع المتلقي‪ ،‬لأن قصيدة الحداثة فيها هذا‬
  ‫في طياتها الاستغاثة بالمجهول في صحراء الأسئلة‪،‬‬           ‫التأبى على الإمساك بموضوع‪ ،‬لكن فيها أي ًضا ما‬
    ‫واحتراق الرؤى‪ .‬إنها أزمة القصيدة الحداثية في‬             ‫يعوض هذا الشتات من «رؤيا» وقيمة فنية بما‬
‫تجريبيتها وتجريديتها؛ التجريب بصفته وعيًا جماليًّا‬      ‫تشمله من «رمز» فض ًل عن بعدها الدرامى السردى‪.‬‬
     ‫معرفيًّا قائ ًما على المخالفة والحرية والقدرة على‬               ‫يقول الماغوط من هذه القصيدة‪ ،‬أي ًضا‪:‬‬
 ‫التجاوز والاستشراف(‪ .)93‬وانفجار اللغة في قصيدة‬
  ‫الحداثة شكل من أشكال تجاوزها للأطر المستقرة‬                                         ‫كنت أتدفق وأتلوى‬
                                                                        ‫كحبل من الثريات المضيئة الجائعة‬
                                ‫التي ثارت عليها‪.‬‬                         ‫وأنا أسير وحي ًدا باتجاه البحر(‪)88‬‬
 ‫وكأ َّن شعر الماغوط «فى حالة من الدوران والتداخل‬
                                                                                                      ‫‪..‬‬
                              ‫والتوالد والتنامى»‪.‬‬          ‫وللإيقاع في قصيدة النثر مفهوم رحب من خلال‬
        ‫تحل‪ ،‬فيه‪« ،‬جسارة الأسئلة» محل «طمأنينة‬
                                                                    ‫التكرار والتعاقب والترابط‪ ،‬وغيرها(‪.)89‬‬
                                                                ‫يقول الماغوط من قصيدة‪« :‬حريق الكلمات»‪:‬‬

                                                                    ‫سئمتك أيها الشعر‪ ،‬أيها الجيفة الخالدة‬
                                                                                           ‫لبنان يحترق‬
   16   17   18   19   20   21   22   23   24   25   26