Page 27 - ميريت الثقافة رقم (33)- سبتمبر 2021
P. 27
25 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
الهايكست إحداث تلك الشرارة،
فهي التي تحقق أعلى درجات
التوتر ،وبها يصبح النص
غاية في الإمتاع والدهشة
والجمال( .)1يتطلب هذا النوع
من المفارقة حنكة عقلية وعم ًقا
في البحث والتحليل والاستنباط
وقدرة على تفكيك النص وإعادة
تشكيل بنيته من جديد.
ناد ًرا ما يصف شاعر الهايكو
شعوره الخاص ،لكن التجاور
بين مشهدي نصه ينقل لنا
أحاسيسه ،فهو لا يقول كل
شيء؛ لذا تحتاج سطوره
الثلاثة الموجزة إلى قراءات
ر.هـ.بليث إزرا باوند آمي لويل متعددة وتعمق في الصور
الحسية كي تنبثق الأفكار
الأول ،قد يتساءل القارئ :يا ترى ماذا ترك اللص وتتفجر المعاني بشكل أكثر عم ًقا وثرا ًء .أحيا ًنا يكون
وراءه؟ وأين؟ من الطبيعي أن يكون الشيء الذي سقط اكتشاف القارئ للمعاني العميقة وترابط مشهديات
من مسروقات اللص ليس إلا مقتنيات حسية ،لكن تأتي
المفارقة عندما نجد أن هذا الشيء هو «صورة القمر»! النص لحظة قراءته فور ًّيا وعمي ًقا ،وأحيا ًنا أخرى
تقوم «النافذة» كمادة حسية بالربط بين مشهدي النص، يستغرق ذلك بع ًضا من الوقت؛ وهذا يتوقف على مدى
ذلك لأنها المكان الأمثل الذي يتسلل منه كل من اللص
قدرة القارئ على استنباط ما بين السطور وبراعته في
والقمر ،لكن شتان ..شتان بين اللصين!
ولنتأمل أي ًضا قصيدة يوسا بوسون 1784– 1716 القبض على «لحظة الهايكو».
Yusa Busonالتي تحتوي مشاهدها على تفاصيل
من الطبيعة ،دون تدخل من الذات الإنسانية في تركيبة تنقسم بنية الهايكو إلى ثلاثة أقسام:
النص: -1البنية المتناغمة:
أعشاب ضبابية،
في النصوص التي تتسم ببنية متناغمة يكون هناك
مياه هادئة: نسيج متشابك بين مشاهد النص على أرض الواقع،
إنه المساء()3 وحتى على المستوى النفسي والوجداني؛ وعلى الرغم
هناك تقارب بين صورتي «الأعشاب الضبابية» و»المياه أحيا ًنا من وجود تنافر ظاهري بين الصور الحسية،
الهادئة»؛ تقوم عملية التجاور بخلق مشهد الأمسية فإن للقارئ دو ًرا مه ًّما في إيجاد العلاقة القائمة بالفعل
الهادئة والممتعة .كما أن هاتين الصورتين مأخوذتان من
عنصر واحد وهو الطبيعة التي لا تعني للشاعر الياباني بين المتنافرات بالنص ،لكن ربما بشكل ضمني.
فقط الجمال الحسي؛ بل تمثل له عالمًا مثاليًّا ومصد ًرا يلحظ المتأمل في النص التالي لـ»يوركان» مقدار الفجوة
أساسيًّا للإلهام الروحي .وهذا الإحساس الروحي نابع
من الجمال الطبيعي والوعي بالفراغ الذي «يبعث قلب بين الصورتين بفعل علامة القطع:
تركه اللص وراءه:
عند نافذتي
قمر()2
تمثل النقطتان الرأسيتان وقفة تأملية في نهاية السطر