Page 30 - ميريت الثقافة رقم (33)- سبتمبر 2021
P. 30

‫العـدد ‪33‬‬                        ‫‪28‬‬

                                                        ‫سبتمبر ‪٢٠٢1‬‬

   ‫من الحياة اليومية‪ .‬في هذه الحالة ليس من الضرورة‬         ‫يرتبط بها من تفاصيل؛ فيؤدي ذلك إلى تولّد المشاعر‬
 ‫استخدام علامة قطع‪ ،‬كي تكون القصيدة جملة بسيطة‬           ‫الإنسانية‪ .‬ينتج عن بنية النصوص القائمة على التجاور‬

     ‫تنساب جزئياتها وتتناغم لتكوين المشهد الأحادي‪.‬‬         ‫الذي يعكس اغتراب الذات عن الطبيعة معاني جديدة‬
     ‫وطبيعي أن يستخدم الهايكست المبتدئ هذا النمط‬            ‫ومبتكرة؛ فعلى الرغم من أن عبارة «ليلة بلا نجوم»‬
   ‫لسهولته و ُبعده عن تركيب الصور حتى إذا ما ثقلت‬         ‫مستقاة من الطبيعة‪ ،‬وتوحي بالموضوعية والتنحي في‬
   ‫تجربته كان بإمكانه تجريب التوريوازة ثنائية البنية‬      ‫تناول المشهد‪ ،‬فإنها تعكس حالة القلق وعدم اليقين أو‬
   ‫التي تحتاج إلى براعة في التركيب والصياغة‪ ،‬وهذا لا‬      ‫الإحساس باقتراب الموت إثر مرض الشاعرة بسرطان‬
 ‫يعني أن الـ»إيجيبوتسوجيتاته» أقل في القيمة الجمالية‬    ‫الثدي‪ ،‬وزاد من حالة عدم اليقين ذكر عبارة «شيء ما»‬
   ‫عن القصائد التي تحتوي على صورتين متجاورتين‪.‬‬          ‫التي تفتح مجال التأويل لأشياء مجهولة أمام الهايكست‬
                                                           ‫والقارئ م ًعا‪ ،‬فثمة علاقة بين حالة الشاعرة الصحية‬
                            ‫أول ما يسقط من الثلج‬            ‫والليلة الخالية من النجوم‪ ،‬فمع كل آلامها لم تعتمد‬
                                  ‫يكفي أن يحني‬           ‫الهايكست على الغنائية بتأجيج المشاعر وإهمال عنصر‬
                                  ‫أوراق النرجس‬
                                    ‫ماتسو باشو‬                                                  ‫الطبيعة‪.‬‬
                                                        ‫فيما يعتمد الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد في ديوان‬
                        ‫(مجلة الفيصل صوت الماء)‬         ‫«شجرة عند الباب» تقنية التجاور في كثير من نصوصه‪،‬‬
                                              ‫‪..‬‬
                                                          ‫أحيا ًنا باستخدام علامة القطع‪ ،‬وأحيا ًنا أخرى بدونها‬
                           ‫شجرة البرقوق الأبيض‬                             ‫مع الإبقاء على عملية القطع ذاتها‪:‬‬
                             ‫كانت منذ زمن طويل‬                                               ‫ينقطع المطر‬
                                   ‫خارج السياج‬                                                 ‫صرخ ٌة‪-‬‬
                                                                                    ‫يا للطائر السفيه!(‪)10‬‬
                          ‫كوبياشي إيسا(‪)16( )11‬‬
 ‫يتكون كلا النصين من مشهد أحادي؛ في قصيدة باشو‬              ‫يصف المشهد الأول توقف القطار وسكون حركته‪،‬‬
                                                          ‫ثم تتبع هذه الهدأة صرخة في المشهد التالي‪ ،‬وكان من‬
    ‫نرى أثر أُولى ند ِف الثلج المتساقطة وهي تتسبب في‬      ‫المفترض أن ينتهي النص في السطر الثاني‪ ،‬لكن وضع‬
 ‫انحناءة أوراق النرجس في مشهد يعكس جمال الطبيعة‬           ‫علامة القطع (‪ )-‬جعلت القارئ يتساءل في دهشة‪ :‬يا‬
‫الفاتن‪ ،‬دون تدخل من الشاعر بانفعالات مباشرة تطغى‬
‫على المشهد الحسي‪ .‬كذلك يتناول نص إيسا فقط شجرة‬              ‫ترى صرخة من؟! ويأتي الجواب في السطر الأخير‬
‫البرقوق الأبيض خارج الأسوار؛ يرمز الشاعر إلى جمال‬             ‫لنتي َّقن أنها للطائر السفيه‪ُ .‬يظهر الهايجن وجهين‬
 ‫الطبيعة البِكر وهي في منأ ًى عن العالم البشري البائس‪،‬‬
                                                            ‫متقابلين للطبيعة تارة في هدوئها وفتنتها من خلال‬
     ‫قبل أن يمتد إليها فيبدد روح هذا الجمال الساحر!‬     ‫مشهد المطر الرومانسي الحالم‪ ،‬وتارة أخرى في عبوسها‬

    ‫علامات القطع (الكيرجي ‪)Kireji‬‬                         ‫وتجهمها عبر صوت هذا الطائر الأحمق المفزع المريع‪.‬‬

    ‫الكيرجي هي كلمة قطع نحوية مكتوبة ومنطوقة في‬                      ‫‪ -3‬إيچيبوتسوجيتاته‪،‬‬
   ‫آن واحد في الهايكو الياباني‪ ،‬وليس لها معادل لفظي‬                    ‫‪ichibutsu jitate‬‬

     ‫في أي من اللغات الأخرى‪ ،‬حيث تستخدم ‪-‬عو ًضا‬               ‫‪ :一 物 仕 立 て‬البنية أحادية المشهد‬
   ‫عن ذلك‪ -‬علامات الترقيم‪ .‬تق ّسم الكيرجي النص إلى‬      ‫ُيكتب الهايكو الياباني على شكل سطر واحد‪ ،‬بينما يكون‬
 ‫جزأين إيقاعيين‪ ،‬أحدهما يتكون من اثني عشر والآخر‬
    ‫من خمسة مقاطع‪ ،‬وتشير إلى اكتمال الجملة وأي ًضا‬        ‫في اللغات الأخرى ‪-‬ومنها العربية‪ -‬على ثلاثة أسطر‪،‬‬
   ‫إلى وقفة إيقاعية‪ ،‬وتضفي مسحة عاطفية خاصة على‬              ‫وتتكون معظم النصوص من صورتين أو صورة‬
‫الخمسة مقاطع الأولى أو الاثني عشر الأخيرة‪ ،‬وغالبًا ما‬
  ‫تقوم بالربط بين مشهدي النص وإيجاد علاقة بينهما‪.‬‬         ‫وحدث‪ ،‬والاستثناء في هذه الحالة هو «هايكو الصورة‬
                                                          ‫الواحدة» الذي يتضمن فكرة أو يصور حد ًثا أو لحظة‬
   25   26   27   28   29   30   31   32   33   34   35