Page 57 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 57
55 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
مائة فقل له مائتين ،ومن قال
مائتين فقل له ثلاثة ،ومن
قال ثلاثة قل له أربعة ..إلى
أن يأتي الرجل الفلاني من
الدوار الفلاني (يقصد والد
هينة) فبعني له بالثمن الذي
أعطاك إياه .ثم تحول إلى
جمل مطواع وتزايد الناس
وتغالوا في ثمنه ،وصاحبه
يفعل ما أُمر به في ردهم إلى
أن جاء أب هينة فتفحص
الجمل جي ًدا فوجده فح ًل
نجيبًا ولطي ًفا ،فأعطاه ثمنًا
متواض ًعا فقال الرجل :هو
لك لله ْي َر َّب ْح .فأخذ والد
تزفيتان تودوروف جريماس جيرار جنيت هينة الجمل أمام صراخ
الآخرين واحتجاجاتهم،
يأتي يوسف من سفره ماذا سنقول له ،فرطنا في وذهب به إلى الدوار وعلامات الفرح لا تفارق
هينة وخطفها الغول؟
-سنقول إنها ماتت محياه ،فهو فحل ليس لأحد مثله ،جيد ،سهل،
ومطواع ،وهي صفات قلَّما تجتمع في فحل من
-وإذا سأل عن قبرها؟
-نحفر قب ًرا ونضع فيه خشبة ،وإنه لن يجرؤ على الإبل ،وبدأ الأطفال يلعبون حول عنقه وهو يشمهم
نبشه ،وسينسيه الزمن هينة. ويلعب معهم بلطف ،أما هينة فإنها لما رأته اكتحلت
ولما عاد يوسف من سفره فر ًحا بزواجه الذي غدا بالسواد وقالت لأبيها« :ا ّبا و َيا ْحنِينِي ْج ْبتِي ِل
وشي ًكا سأل أمه عن هينة فرأى العبوس والحزن في ا ْع ُدو َيا» .فقال لها :كيف يعقل أن يكون هذا الجمل
وجهها ،فقال لها :بالله عليك يا أماه ماذا وقع لهينة المطواع عدوك؟ فسكتت عليه ولم ترد .وفي الغد
هل تزوجت من رجل آخر؟ ناداها (أبوها) لترعى الإبل كالعادة لكنها امتنعت
فردت الأم وهي تغالب البكاء :بل أكثر من ذلك
فهينة ماتت ،جعل الله محبتك لها صب ًرا لك ورحمة وقالت له :لن أرعاها البتة ما دام ذلك الجمل فيها.
لها. واستمرت على حالها تلك يو ًما أو يومين فضاق
ولما سمع ذلك من أمه انقلب الضياء في وجهه أبوها ذر ًعا بذلك فأرغمها على الخروج مع الجمال،
فقامت والدموع تملأ مآقيها وألقت آخر نظرة على
ظلا ًما :إن هي ماتت فأين قبرها؟
فأرته القبر لكنه لم يصدق فظن انه حصل شيء ما عز لديها في الدوار وخرجت بالإبل ،ولما ابتعدت
آخر غير هذا ،فحمل فأ ًسا وحفر حتى وصل إلى قلي ًل التفتت إلى الخيام وهي تبكي ،لكن الغول لم
الخشبة ،فاخبروه بالقصة من أولها إلى آخرها،
يترك لها حتى مهلة التأمل في موطن ربما لن تعود
فأقسم بأن لا يعود إلى الدوار ثانية حتى يعود
بهينة أو يهلك دون ذلك فيعذر. له البتة ،فدهمها ووضعها فوق قفاه ،وراح يقطع
فانطلق يقطع الروابي وال ُك َدى ،وكلما مر بربوة بها الروابي والوديان .هذا ما كان من أمرها.
ولما عادت الإبل في العشية لم تكن معها لا هينة ولا
الجمل النجيب ،فأدرك أبوها مدى صدقها وحقيقة
أمرها وندم حيث لا ينفع الندم .أما أمها وزوجة
عمها (أم يوسف خطيبها) فقد قلن بينهن حينما