Page 58 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 58
العـدد 30 56
يونيو ٢٠٢1
أو أحمق؟ كانت هينة والغول قد م َّرا منها إلا وبدأت َت ْح َم ُّر
كان للغول نوم ثقيل ،وشخير كأنه الرعد ،لذلك كان وت ْص َف ُّر فيسألها »:ال ُك ْد َية ْويا ال ُك ْد َية َما َل ْك
إذا نام لي ًل تو َّسد شعر هينة حتى لا تنفلت منه َتا ْت ْح َماري و َتا ْت ْص َفا ِري؟ فتجيبهُ « :حكلي َما َن ْحمار
وتهرب .لكنها في تلك الليلة اكترت شغالات النمل و ْن ْص َفار وه ْي َنة دا َز ْت ِمنِّي» .ومن ربوة إلى ربوة
ومن فج إلى فج إلى أن وصل كدية جميلة تحمر
فعملن على سل شعرها شعرة شعرة من تحت وتصفر مثل سابقاتها فناداها« :ال ُك ْد َية ْويا ال ُك ْد َية
رأسه ،ثم أيقظت ابن عمها ،وخلطت الحنَّاء فحنت
للحيوان والجماد حتى تأمن شرهم ،وكان للغول َما َل ْك َتا ْت ْح َماري و َتا ْت ْص َفا ِري؟”.
ثلاثة أكياس يستعملها سلا ًحا للصيد أو ضد العدو فأجابتهُ “ :حكلي َما َن ْحمار و ْن ْص َفار وه ْي َنة ساكنة
وهي كيس الضباب ،وكيس الإبر ،وكيس البرد،
ِ َّف” .ففرح فر ًحا شدي ًدا بقربه منها وإن كان لا
فحملاها معهما وخرجا في جنح الظلام. يدري ما ينتظره مع الغول ،وتفحص الربوة جي ًدا
لكن هينة نسيت حجرة صغيرة لم تضع لها الحناء إلى أن تراءت له مغارة كبيرة ،ولم يشك مرة أنها
مسكن الغول فاقترب منها ،ولم يكن بتلك المنطقة
مما اثار حفيظتها وغيرتها ،فبدأت تهتز وتضرب
بشدة رأس الغول لتوقظه وتقولَّ “ :ط ْن ِف َراس إنسي غير هينة والخادم ،فكل الناس هجرتها
ْب َّل ْي ْف َط ْن ه ْي َنة ْب َشا ْت” ،فاستيقظ من سباته الثقيل ليأمنوا بوائق ذلك الغول .وفجأة رأى الخادم
وحكت له تلك الحجرة كل ما وقع وجرى ،فاغتاظ فعرفها ،ف ُس َّر سرو ًرا عظي ًما وقال لها بأن تنادي
غي ًظا شدي ًدا وأقسم أن يجعل “د َم ُهما ِف ُج ْغمة له سيدتها ،فدخلت الخادم عند هينة ولم تعرف أنه
يوسف وقالت لها :يا سيدتي إن هناك رج ًل يطلبك.
ول ْح َم ُه َما في َد ْغ َمة” ،وتبعهما .أما الخادم فإنها -إنك تخرفين وتهلوسين ،من عساه يطلبني؟ أبي؟
استغلتها فرصة للهرب هي الأخرى. أم أخي؟ أم يوسف ابن عمي؟ واغرورقت عيناها
بالدموع .ثم خرجت الخادم من جديد لتتأكد من
في ذلك الوقت كانت هينة وابن عمها قد خووا بلا ًدا أمرها فرأته لا يزال في مكانه ينتظر ،وعادت إلى
وعمروا أخرى جادين في الرجوع إلى موطنهما، سيدتها بمثل الحديث الأول ،وفعلت ذلك ثلاث
مرات ،وهينة تجيبها بالجواب نفسه ،ولما خرجت في
وفجأة التفتت هينة وراءها فقالت ليوسف :التفت المرة الرابعة سألها يوسف عما تعمل هينة ،فأجابته
وراءك وانظر ماذا ترى؟ فقال :طلائع برق ورعد. بأنها تغزل خيو ًطا من الحرير ،فقال لها :اذهبي
و َأ ْد ِخ ِل عليها دي ًكا أو ديكين ،فإن رجله ستعلق
فقالت له :إن ذلك البرق والرعد هو الغول ،وإنه بخيوط الحرير فتحاول تخليصها منه ،فيفر ،فتتبعه
لا محالة مدركنا ،فارمه بكيس الرياح .فرماه به إلى الخارج .وكذلك فعلت الخادم .فخرجت هينة
فدفعت الرياح الغول بعي ًدا عنهما ،وظل يقاومها تجري وراء طير الدجاج فرأت يوسف ابن عمها
حتى تخلص منها وتبعهما من جديد ،فرمياه بكيس فعرفته ،فتعانقا وتباكيا فر ًحا باللقاء وخو ًفا من
الضباب فبقي تائها إلى حين انقشاعه ،فجد من الغول ،إذا اكتشف أمرهما فإنه سيقتلهما لا محالة.
جديد في اللحاق بهما ،فرمياه بكيس الإبر فانغرزت وكانت المغارة واسعة وكبيرة بها غرف كثيرة،
في جسده كله وفقأت عينيه وانكسرت شوكته. فأدخلت يوسف في إحداها وغلَّقت عليه الباب
وبعد ذلك قالت هينة لابن عمها :اسمع يا ابن العم،
إن الغول قد ثقبت الإبر جسده وفقأت عينيه ،وإنه بإحكام بعدما اتفقا على ما سيأتي ذكره.
سيستعمل الحيلة للظفر بنا ،فإذا رأيت في طريقنا في تلك الأثناء كان الغول في رحلة صيده اليومية،
هاته خما ًرا من حرير فلا تحمله ولا تمعن النظر ولما جاء في المساء شم رائحة الأجنبي في مغارته
فيه ،وإذا وجدت طائرين أسودين يقتتلان فدعهما فبدأ يقولِ “ :ريحة ال َق ْص ِري والنّ ْص ِري ل ْغ ِري ْب ْد َخ ْل
ل َّدا ْر َه ْي َنة و َيا ْل َغ َّدا ْر” .فبدأت تطمئنه وتقول له :من
وشانهما ولا تقل لهما شيئًا. عساه يأتي لهذه الأرض الخالية القفرة إلا مجنون
وواصلا طريقهما الطويل إلى أن وجدا خما ًرا
من حرير ففعل يوسف ما قالته له هينة بشأنه،
واستمرا في المشي ترفعهما نجاد وتخفضهما
وهاد ،إلى أن وجدا غرابان يكاد أحدهما يقتل الآخر