Page 260 - m
P. 260
العـدد 59 258
نوفمبر ٢٠٢3
التيجان ،رؤوس الأعمدة ،الألوان، حققت توازناتها عبر جوهر الحجارة ،يسوي وجهها ويطرق
الد َّكات .إن أعمال التصنيف الاختلاف والتمايز .عقل المعماري ما يخرج عن خيط القياس ..أمر
تكشف ليس الغنى والوفرة في هنا قام بمشغلة في القياس: تأمر به العين قبل أن يأمر به
المواد بل النواقص .إن حساب القصير يقابله الطويل ،الأسود العقل ،فما بالك عندما يكون الأمر
كل هذا يحتاج إلى نظر حاذق
يقابله الأبيض ،الهش يقابله ببناء قاعدة قبة؟! لا يكف البنَّاء
يحيط بكل الممتلكات الفقيرة الصلد .إن تجسيد اللاتماثل هي عن ممارسة نواياه المريبة ،ففي
والغنية ،ويستدعي خيا ًل قاد ًرا فكرة المعماري الأولى ومخاطرته. الصف التالي /الثالث ،وعند مكان
على رد المواد إلى السلسلة التي المشكلة ذاتها ،يعيد الخروج عن
تنتمي إليها ،والتوزيع ،ومعالجة لأن المعماري اعتمد على مواد
النواقص العاجلة وتسجيل غير سبق أن استخدمت في أبنية المحيط مرة ثالثة ..عجبًا!
العاجلة .تمت مساءلة طبيعة المواد سابقة :أعمدة ناقصة ،تيجان إذا كنت أقنعت نفسي وقد أكون
بطريقتين اثنتين :الأولى من خلال كاملة أو محطمة ،أعمدة بيضاء قد اقنعتكم بعملية الترقيع التي
الفكرة عنها ،إذ من الممكن منطقيًّا وأخرى سوداء ،فقد استسلم
وبالضرورة إضافة قطعة أخرى لمدى واسع من التشظي الذي فرضتها طبيعة المواد ،ولكني
من الحجر لاستكمال طول العمود يقابله تلفيق بهيج ،تلفيق يحتفظ أتنصل عن هذا الرأي تحت هذه
بالضرورة ويظهرها دون خشية.
التلفيق يظهر بوضوح ،لأنه لا القبة وأدعي الشك ..فيقينًا أنه
سبيل إلى تفاديه ،والمهم أن يظهر كان ذا نية تتمرد على المألوف
حاذ ًقا ،متينًا ،محاف ًظا على لونه
البصري الفريد ،وشاغ ًل أحياز وتراهن على سجية الحجر
لا نخطئ وظيفتها .عمود قصير وانحرافه.
يحتاج إلى ربع عمود ،أحيا ًنا إلى
دكة تجمعه بعمود آخر ،فالمهم أن المعماري أم ٌّي انتصر للطبيعة
ينهض البناء .ليس الترقيع سيئًا التي فطر عليها فاستشار قلبه
ما دام يقوم بوظيفته ولاسيما
إذا كان حاذ ًقا .نصف عمود أو ًل .إن الروحانية تبدأ من
أبيض مع نصف عمود أسود الكفاية ،وتمجيد الحياة .لنفهم
يشكلان عمو ًدا يحمل سق ًفا .إن هذا“ :نحن أمة لا نحسب ولا
الحيز العام هو الذي يمنح القيمة نكتب” كما يقول النبي محمد.
الجمالية لكل الترقيعات التي المقصود إبقاء الفطرة على سجيتها
نراها في سذاجتها وفي حذاقتها. وحكمتها البسيطة .ذلكم هو نظام
إزاء هذا الترقيع الحاذق كنت يمكن اختباره في اعتدال الأعمدة
أفكر ،بل كنت أتخيل ،الورشة ورسوخ البناء إلى اليوم .المعماري
التي أقيمت هنا في هذا المكان، يدرك مبدأ الضرورة ،هذا الإجبار
ورشة تأكد ضخامتها بسبب من من دون عنت ،أن يضع العمود
ضخامة البناء .بيد أن ما كان الصلب إلى جوار العمود الهش
أوليًّا ،وضرور ًّيا على نحو فائق والمرمر إلى جانب الحجر ،لا يجمع
العادة هو أعمال التصنيف الهائلة كل ما هو صلب في جهة من البناء
التي بوشر بها قبل أعمال البناء. وكل ما هو هش في جهة أخرى،
جمع المتماثل من قطع البناء، ففي هذا لا يقوم السقف ولا يقوم
المسجد .عبر الخلطة الضرورية
تحققت الغرائب البصرية التي
أحكي عنها هاهنا.
التمايز في المواد والأشكال ،اللعب
بينها ،المتماثل وغير المتماثل،