Page 128 - merit 41- may 2022
P. 128

‫العـدد ‪41‬‬      ‫‪126‬‬

                                                    ‫مايو ‪٢٠٢2‬‬

 ‫وتلك النظرة التي ظهرت واختفت في أقل من ثانية‪،‬‬      ‫سيجموند فرويد‬  ‫رينيه ديكارت‬
  ‫لم يكن عمرها قد تجاوز السادسة عشرة‪ ،‬ولكنها‬
   ‫ح ًّقا لا تشبه الأخريات»(‪ .)18‬فهي شخصية نادرة‬       ‫و»بدأ جرجس في تقديمي للمعلم يعقوب قائ ًل‪:‬‬
  ‫مختلفة عن الأخريات اللاتي في مثل سنها؛ ولهذا‬        ‫هذا فضل الله‪ ،‬ابن نخلة ابن الزيات يعقوبي من‬
  ‫الاختلاف استطاعت محبوبة أن تتحمل بعد فضل‬           ‫أفضل شباب الكنيسة‪ ،‬شاب قوي‪ ،‬وذو باس على‬
  ‫الله عنها‪ ،‬وتتحمل مسؤولية نفسها وابنها وقامت‬       ‫الرغم من نحافته الظاهرة‪ ،‬يعمل نجا ًرا في ورشة‬
                                                       ‫أبونا عبد الملك‪ ،‬تحدثت معه‪ ،‬ودعوته أن ينضم‬
    ‫بتربيته على أكمل وجه إلى أن كبر‪ ،‬واستطاع أن‬      ‫لك ويكون من رجالك»(‪ .)17‬ويقدم فضل شخصية‬
                                  ‫يواجه الحياة‪.‬‬      ‫أخرى باسمه الكامل‪ ،‬وتعداد مناقبه وصفاته‪ ،‬بل‬

‫وتظهر شخصية جين الفرنسية المسماة بـ(سعيدة)‬                                 ‫والتمني للانضمام إليهم‪.‬‬
‫عندما كانت جارية‪« :‬جين فلوري اسمى الجديد‪ ،‬في‬             ‫وتأتي في المرتبة الثانية في ترتيب شخصيات‬
                                                      ‫الرواية شخصية محبوبة زوجة فضل الله‪ ،‬وهي‬
   ‫الواقع هو اسمي القديم سعيدة‪ ،‬عندما ينادونني‬           ‫شخصية محبوبة ومشهورة بعقلها وحكمتها‬
  ‫جين لا أرد ولا انتبه إلا بعد قليل‪ ،‬تآلفت أذني مع‬       ‫وجمالها الهادئ‪ ،‬حينما وصفها فضل الله في‬
  ‫سعيدة «سعيدة الجارية»‪ ،‬اختطف ُت عندما كنت لا‬         ‫قوله‪« :‬على الرغم من رائحة الموت حولي في كل‬
  ‫أزال في السابعة‪ ،‬لغتي الفرنسية تهاوت‪ ،‬لا أتذكر‬    ‫مكان‪ ،‬إلا أن ابتسامة علت وجهي‪ ،‬وشعو ًرا بداخلي‬
‫إلا كلمات محدودة‪ ،‬بالكاد أك ِّون جملة صحيحة»(‪.)19‬‬   ‫يطمئنني أنها هناك تنتظرني بتلك النظرة الساحرة‬
                                                      ‫التي لمحتها يوم وقعت عيناي عليها لأول مرة في‬
      ‫بينما تختلف عنها أختها فرانسواز في الشكل‬      ‫عرس في حارتنا‪ ،‬كانت مختلفة هادئة‪ ،‬لا تتصرف‬
 ‫والتفكير وأسلوب الحياة في قول الراوي‪« :‬جلست‬         ‫مثل الأخريات‪ ،‬لا ضحك‪ ،‬ولا صخب‪ ،‬كأنها طائر‬
‫بجانب فرانسواز في العربة التي كانت تشق شوارع‬          ‫شارد محلق فوق الجميع‪ ،‬تظهر غرتها من تحت‬
                                                    ‫الطرحة الموشاة بالقصب‪ ،‬ترتدي في أذنيها قرطين‬
     ‫مرسيليا بسرعة ومهارة‪ ،‬كانت هي في ملابس‬              ‫مصنوعين من الذهب الشفتشي‪ ،‬وقع برقعها‬
  ‫الأميرات ترتدي قبعتها الزهرية اللون كالبنفسج‪،‬‬        ‫للحظة مكنتني من أن أرى هذا الجمال الصارم‪،‬‬

       ‫وتظهر خصلات شعرها الذهبي اللولبية على‬
  ‫جبينها‪ ،‬وتغطي جز ًءا منها من رقبتها التي تحيط‬
 ‫بها قلادة من اللؤلؤ‪ ،‬أخذت أختلس نظرات إلى هذا‬
 ‫الوجه المنمنم المرسوم بدقة‪ ،‬وعلى الرغم من صغر‬
 ‫عينيها‪ ،‬لكن لونهما الأشبه بلون الخضرة الطازجة‬

                 ‫يجعلك تشعر أنك في البراح»(‪.)20‬‬
       ‫لم تكن هذه الشخصيات فقط التي ُذكرت في‬
‫أحداث الرواية‪ ،‬ولكن تعددت في الرواية شخصيات‬
  ‫عديدة بين الرافضين للثورة والمؤيدين لها‪ ،‬وبين‬
    ‫هذه المواقف المتباينة والمتنوعة ظهر ثراء السرد‬
       ‫التاريخي للرواية‪ ،‬وطريقة التسلسل المنطقي‬
   ‫للأحداث‪ ،‬في ظل المحافظة على الإثارة والتشويق‬
   ‫لموضوعات الرواية والقفزات الزمنية التي ركزت‬
    ‫عليها الكاتبة‪ ،‬ورغم تكرار موضوع الراوية من‬
  ‫قبل؛ إلا أنه ُيحسب للكاتبة تناولها الموضوع بهذا‬
    ‫الثراء السردي‪ ،‬والمصداقية التاريخية‪ ،‬والمراجع‬
   ‫الدقيقة التي ركزت على الأحداث التاريخية لأنها‬
    ‫حقائق لا تتغير‪ ،‬ولا تخضع للخيال الأدبي بأي‬

                                ‫حال من الأحوال‬
   123   124   125   126   127   128   129   130   131   132   133