Page 246 - ميريت الثقافية- العدد رقم (25) يناير 2021
P. 246
العـدد 25 244
يناير ٢٠٢1
الليلة ومجرى الصراع جيله في القطاعات الأخرى في معناه المزاحمة في الرزق ،أو كما
مصر نهب انفعالات الحيرة أمام أسموه (لقمة العيش) ،وتلك كانت
لم يفتنا في أحاديثنا أن نستشف الهزيمة ،فراح يتطاحن مع القديم، المصيبة الأكبر من مجرد التناقض
الأهمية التي أكسبت الليلة يتطاحن مع من رأى فيهم سببًا
أساسيًّا من أسباب النكسة ،تما ًما أو الصراع الفني حول نوعية
تاريخيتها ،وهي الأهمية النابعة السينما ذاتها ،رغم ما يبدو من
من مكونات اللحظة التاريخية كما كان يقال عنا نحن بالمقابل
أننا أبناء هذه النكسة. إطار أشمل بل وربط عضوي
التي ُقدمت فيها الأفلام الثلاثة. العنصرين ،ألا وهو صراع البقاء.
كانت قضية معهد السينما قضية خرجنا بكل هذه المشاعر ،لسنا هذان الشكلان للصراع :الصراع
وحدنا المخرجون الثلاثة ،وإنما
كبيرة لا يمكن تصور حجمها كل من كان يتحرك حركة نشطة حول التشغيل والمزاحمة في
الآن بقدر ما عشناه ،كنا قد قبلنا ولا أقول مثلنا بل جميعنا. «لقمة العيش» والصراع حول
خرجنا لا نعرف ماذا نفعل ،فقط نوع السينما نفسها ،هما اللذان
خرجنا نحن أبناء الدفعات الأولى
ولم يكن في تصورنا ذلك الصراع نختزن في داخلنا الانفعالات حددا شكل الصراع الطاحن
الجياشة ،والأمل تتأجج به بين الجدد والقدامى ،إلا أن ما
الرهيب الذي سوف نخوضه في صدورنا نحو المستقبل ،بل لا يمكن إغفال تأثيره هو الفترة
مواجهة جيل أساتذتنا من رواد وينبعث هذا الأمل قو ًّيا بأن كل أو المرحلة التاريخية ذاتها وفي
شيء نأمل فيه لا بد أن يتم، شموليتها ،إذ شاءت الظروف أن
السينما المصرية ،سواء كانوا وأن طموحاتنا سرعان ما سوف تتخرج أول الدفعات عام 1963
باعتبارهم أساتذتنا الذين تعلمنا تتحقق .وللوهلة الأولى جال في فتبدأ شق طريقها بمحاولات
على أيديهم مباشرة ونجلهم ،أو أذهاننا ألا نفترق ،لِنكن م ًعا وفي اقتناص فرص التشغيل المحدودة
باعتبارهم أساتذتنا أي ًضا الذين أي مكان ،فليكن على الرصيف أو ما بين العمل كمساعدين وما بين
نختلف معهم ،إذ حتى بين جدران في مقهى ،فلنم ِش في الشوارع. العمل في محاولات غير مجدية
المهم أن نظل م ًعا وألا نفترق
المعهد ورغم كثرة الأساتذة ولم يفصح أحد ،ولكن الكل للكتابة السينمائية ،وقد كان
الأجانب من أمريكا ومن غرب استشعر في الباقين هذه الرغبة للمخرج صلاح أبو سيف -وهو
أوروبا وشرقها ،فإننا كنا نتعلم تنضم إلى رغبته ،وبالفعل مشينا من أساتذتنا الأوائل عندما كان
كذلك على أيدي نخبة من الأساتذة وظللنا نمشي بلا هدى ولا وجهة مسئو ًل عن القطاع العام للإنتاج
المصريين من رواد السينما هنا، محددة ،واستمر مشينا جماعة في السينمائي حينذاك -الفضل في
ومن أساطين الأدب في الدراما شوارع القاهرة ،حتى نعود في كل
مرة إلى حيث بدأناه دون أن نمل ترسيب زميل وآخر هناك في
والثقافة العربية. تكرار الأمكنة ،كنا نتحدث بحرارة بعض الأفلام التي يضطلع بها
كنا غارقين في حيرة الفهم ،ولكن نشعر كأنها لا يمكن أن تنطفئ.
مشينا ثنائيات وثلاثيات ،لم يكن القدامى بهدف تشغيل بعض
فورة الشباب والرغبة الآملة في منا من هو بمفرده بل كل ينتحي الجدد ،ولكن دون أن تتوفر
المستقبل ،والرغبة في الخلاص، مع الآخر أو الآخرين في نقاش، الفرصة الكاملة لمجموعة تطرح
كل ذلك دفعنا للحركة .وجعلنا ويدور النقاش حول هذه الليلة نفسها بنوع السينما الجديدة التي
التاريخية وما خلفته وراءها وما تقترحها .وتستمر السنوات حتى
نندفع إلى الأمام بلا توقف. بعثته فينا من جذوة أمل متقدة. عام ،1967وهي السنوات التي
حتى وإن كانت الرؤية الواعية رغم قلتها إلا أن الإحساس بها
لا تقف بنا على الحقيقة .بل تظل حينذاك كأنها الدهور الطويلة،
ضبابية ،إلا أن الانفعال هو ما فتقع نكسة يونيو 1967ويصبح
لا يمكن إنكاره في هذه الفترة الشباب المتخرج من المعهد العالي
كنتاج طبيعي لكل ذلك ،الأمر للسينما ،مثله مثل أي شاب من
الذي انعكس على شكل الصراع
بين قدمائنا وجددنا ،إلى حد
نشوب معركة ذات يوم في أعقاب