Page 33 - تاريخ مصر الإسلامية 1 ثالثة ارشاد سياحى
P. 33
على تنفيذها قبل أن يرى أرض مصر ،ولا نقول أنه أتى إلى هذه البلاد شأنه شأن كل
وافد على بلد يريب يتحسس طريقه في حذر ،حتى إذا ما رأى أحوالها الداخلية ،
وعظم ثروتها وإمكانياتها ،ربط بين هذا كله وبين ضعف الخلافة العباسية وسوء
أوضاعها وعندئذ فقط استغل أحمد بن طولون ذكاءه ومواهبه في محاولة للاستهثار
بمصر وإقامة حكم مستقل لبيته فيها .
ويبدو أن أحمد بن طولون عندما أتى إلى مصر سنة 254هـ868 /م على رأس
جيشه الذي أمده به باكباك ،لم يجد كل شئ ممهداً أمامه وإنما كان عليه أن يواجه
منافسين أقوياء ،وأعداء أشداء ،ثاروا ضده ونازعوه السلطان .ذلك أن ولاة مصر
في ذلك العصر كانوا لا ينيبون عنهم شخصاً واحداً في الإشراف على جميع مرافق
البلاد ،وإنما اعتادوا أن يقسموا أعمالها الأساسية بين عدة أفراد بحيث لا يتمكن
أحدهم من استغلال أوضاع البلاد وبعدها عن مركز الخلافة في تحقيق استقلال لنفسه.
وهكذا حضر أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ 868 /م ليجد الإسكندرية بيد
اسحق بن دينار ،وبرقة – التي كانت من الناحية الإدارية تابعة لمصر – بيد أحمد بن
عيسى الصعيدي ،في حين كان يلي شهون القضاء بكار بن قتيبة ،وشهون البريد
شقير الخادم يلام قبيحة أم الخليفة المعتز ،وشهون الخراج أحمد بن المدبر.
وهنا ظهرت مهارة أحمد بن طولون في التغلب على منافسيه من كبار الموظفين.
ولم يكن ميدان الصراع بينه وبينهم أرض مصر فحسب ،بل امتد ذلك الميدان أيضاً إلى
سامراء حيث الخلافة العباسية ،لأن كل واحد من الموظفين السابقين كان له سند في
بلاط الخليفة يعتمد عليه في تثبيت مركزه وفي النيل من خصومه .فابن المدبر عامل
الخراج في مصر – وكان من ألد خصوم أحمد بن طولون – اعتمد على أخيه إبراهيم
بن المدبر وهو من أصحاب الكلمة المسموعة في بلاط الخليفة .وشقير عامل البريد
كان كما ذكرنا مولى قبيحة أم المعتز .ولهذا لجأ أحمد بن طولون إلى محاربة خصومه
في بلاط الخليفة العباسي عن طريق جواسيسه تارة ،وعن طريق عملائه في بلاط
الخليفة الذين يمرهم بهداياه تارة أخرى.
وشاءت الأقدار أن تتدخل لمساندة أحمد بن طولون ،فالخلافة العباسية كانت عندئذ
يارقة في بحر من الفوضى بسبب الثورات الداخلية من ناحية والمنازعات حول
السلطان من ناحية أخرى .ثم إنه حدث عندما عزل باكباك عن ولاية مصر ثم قتل بعد
قليل ،أن حل محله في ولاية مصر يارجوخ حمو أحمد بن طولون .ولو كان رجل آخر
فاز بولاية مصر لعزل احمد بن طولون في تلك المرحلة الأولى ،ولكن شاءت الظروف
أن يعزل باكباك – وهو زوج أم أحمد بن طولون – ليحل محله في ولاية مصر يارجوخ
وهو أبو زوجته ،وبذلك احتفظ أحمد بن طولون بمركزه ومنصبه.
33