Page 37 - تاريخ مصر الإسلامية 1 ثالثة ارشاد سياحى
P. 37
المقريزي عن صدقات أحمد بن طولون ،وكانت صدقاته على أهل المسكنة والستر من
الضعفاء والفقراء وأهل التجمل متواترة ...سوي مطابخه التي أقيمت في كل يوم
للصدقات في داره وييرها ،ويذبح فيها البقر والكباش ،ويغرف للناس في القدور
الفخار والقصاع ،على كل قدر أو قصعة أربعة أريفة ...وكانت تعمل في داره وينادي
:من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر وتُفتح الأبواب ويدخل الناس ،وابن طولون
ينظر ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون ،فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته.
لذلك لا عجب إذا أحب الناس في مصر ابن طولون ،وعندما اشتد عليه مرض
الموت خرج المسلمون بالمصاحف ،والنصارى بالإنجيل ،واليهود بالتوراة ،
والمعلمون بالصبيان ،إلى الصحراء ودعوا له وكان ألم الجميع عظيماً عندما توفى
أحمد بن طولون سنة 270هـ883 /م بعد أن حكم مصر سبع عشرة سنة.
مهارة أحمد بن طولون فى السياسة الخارجية
........................................
رأينا ما كان من موقف أحمد بن طولون من الخلافة العباسية في العراق .والواقع
أن ريبة ابن طولون في الاستقلال بمصر من ناحية والموقف العدائي الذي وقفه منه
الموفق في العراق من ناحية أخرى ،أمليا عليه إحكام سيطرته على بلاد الشام حتى
يحمى نفسه في مصر ،وحتى يكون على مقربة من المسرح الرئيسي في قلب العالم
الإسلامي وهي قاعدة الخلافة في العراق .ومازال أحمد بن طولون يسعى لتحقيق هدفه
حتى قلده الخليفة بلاد الشام سنة 264هـ 877 /م ،فزحف على بلاد الشام على رأس
جيوشه ،وأخذ يتنقل من الرملة إلى دمشق إلى حم ،يثبت سلطانه ويقيم نوابه ،
حتى وصل إلى أنطاكية ،وقد رف سيما الطويل صاحب أنطاكية أن يسلم المدينة لابن
طولون ،فحاصرها الأخير ،واقتحمها عنوة وأخضعها لسلطانه .وبعد ذلك تقدم حتى
وصل إلى طرسوس ،وهو الثغر الإسلامي الشهير على أطراف بلاد الروم .وكان من
الممكن أن يواصل من ذلك المركز سياسة الجهاد ضد الروم لولا عدم اطمهنانه إلى
جانب الموفق .لذلك اكتفى أحمد بن طولون بأن أرسل قواته للسيطرة على حران
والرقة ،وعاد هو إلى مصر سنة 265هـ 878/م بعد أن بسط نفوذه على بلاد الشام
حتى حدود العراق والروم.
وفي سنة 269هـ 882 /م اتجه أحمد بن طولون إلى الشام مرة أخرى ليواجه
مؤامرة يلامة لؤلؤ الذي انضم إلى جيش الموفق ،فضلاً عن استقبال الخليفة العباسي
37