Page 46 - رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
P. 46

‫‪ www.islamicbulletin.com‬رﺟﺎل ﺣﻮل اﻟﺮﺳﻮل ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ وﺳﻠﻢ‬

‫على أنه حين رفض أن يقاتل مع الامام علي الذي كان الحق له‪ ،‬وكان الحق معه‪ ،‬فانه لم يفعل ذلك‬
‫ھربا‪ ،‬والا التماسا للنجاة‪ ..‬بل رفضا للخلاف كله‪ ،‬والفتنة كلھا‪ ،‬وتجنبا لقتال لا يدو بين مسلم ومشرك‪،‬‬

                                                                ‫بل بين مسلمين يأكل بعضھم بعضا‪..‬‬
‫ولقد أوضح ذلك تماما حين سأله نافع قال‪ ":‬يا أبا عبد الرحمن‪ ،‬أنت ابن عم‪ ..‬وأنت صاحب رسول ﷲ‬

                      ‫صلى ﷲ عليه وسلم‪ ،‬وأنت وأنت‪ ،‬فما يمنعك من ھذا الأمر_ يعني نصرة علي_؟؟‬
                                                                                      ‫فأجابه قائلا‪:‬‬

‫" يمنعني أن ﷲ تعالى ح ّرم عل ّي دم المسلم‪ ،‬لقد قال عز وجل‪) :‬قاتلوھم حتى لا تكون فتنة‪ ،‬ويكون الدين‬
                                                                                                ‫‪(..‬‬

                                ‫ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين ‪،‬اما اليوم‪ .‬فيم نقاتل‪..‬؟؟‬
                 ‫لقد قاتلت الأوثان تملأ الحرم‪ ..‬من الركن الى الباب‪ ،‬حتى نضاھا ﷲ من أرض العرب‪..‬‬

                                                             ‫أفأقاتل اليوم من يقول لا اله الا ﷲ"‪.‬؟!‬
                                                      ‫ھكذا كان منطقه‪ ،‬وكانت حجته‪ ،‬وكان اقتناعه‪..‬‬

‫فھو اذن لم يتجنب القتال ولم يشترك فيه‪ ،‬لاھروبا‪ ،‬أ‪ ،‬سلبية‪ ،‬بل رفضا لاقرار حرب أھلية بين الأمة‬
                                        ‫المؤمنة‪ ،‬واستنكافا على أن يشھر مسلم في وجه مسلم سيفا‪..‬‬

‫ولقد عاش عبد ﷲ بن عمر طويلا‪ ..‬وعاصر الأيام التي فتحت أبواب الدنيا على المسلمين‪ ،‬وفاضت‬
                                          ‫الأموال‪ ،‬وكثرت المناصب‪ ،‬واستشرت المطامح والرغبات‪..‬‬

‫لكن قدرته النفسية الھائلة‪ ،‬غيّرت كيمياء الومن‪ !!..‬فجعلت عصر الطموح والمال والفتن‪ ..‬جعلت ھذا‬
‫العصر بالنسبة اليه‪ ،‬أيام زھد‪ ،‬وورع ويلام‪ ،‬عاشھا المثابر الأواب بكل يقينه‪ ،‬ونسكه وترفعه‪ ..‬ولم يغلب‬

              ‫قط على طبيعته الفاضلة التي صاغھا وصقلھا الاسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاھقة‪..‬‬
‫لقد تغيّرت طبيعة الحياة‪ ،‬مع بدء العصر الأموي‪ ،‬ولم يكن ث ّمة مفر من ذلك التغيير‪ ..‬وأصبح العصر‬
‫يومئذ‪ ،‬عصر توسع في كل شيء‪ ..‬توسع لم تستجب اليه مطامح الدولة فحسب‪ ،‬بل ومطامح الجماعة‬

                                                                                     ‫والأفراد أيضا‪.‬‬
‫ووسط لجج الاغراء‪ ،‬وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع‪ ،‬وبمغانمه‪ ،‬ومباھجه‪ ،‬كان ابن عمر يعيش‬

                                    ‫مع فضائله‪ ،‬في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدمه الروحي العظيم‪.‬‬
                 ‫ولقد أحرز من أغراض حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروعه فقالوا‪:‬‬

                                                          ‫) مات ابن عمر وھو مثل عمر في الفضل(‬

    ‫بل لقد كان يطيب لھم حين يبھرھم ألق فضائله‪ ،‬أن يقارنوا بينه وبين والده العظيم عمر‪ ..‬فيقولون‪:‬‬
                       ‫) كان عمر في زمان له فيه نظراء‪ ،‬وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير(‪!!..‬‬

‫وھي مبالغة يغفرھا استحقاق ابن عمر لھا‪ ،‬أما عمر فلا يقارن بمثله أحد‪ ..‬وھيھات أن يكون له في كل‬
                                                                              ‫عصور الزمان نظير‪..‬‬

                                               ‫**‬

                                                                ‫‪46‬‬
   41   42   43   44   45   46   47   48   49   50   51