Page 40 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 40

‫ليس للأتباع والمجاذيب في هذه الطرق‬               ‫عرف المغرب العربي الطرق الصوفية‬
    ‫الصوفية مشكلات فردية أو ذاتية‪ ،‬لكنهم‬
   ‫يواجهون مشكلات اجتماعية واقتصادية‪،‬‬                       ‫والزوايا‪ ،‬لكن غالبية هذه الطرق‬
 ‫تعجز قدراتهم ووعيهم عن حلها‪ ،‬وهم أي ًضا‬
    ‫ضحايا الحروب‪ ،‬وعدم المساواة‪ ،‬وفساد‬              ‫استمدت أصولها من الطريقة الجزولية‬
   ‫بعض المسؤولين‪ ،‬والفقر‪ ،‬والجهل‪ ،‬والقهر‬
                                                          ‫المتصلة بالطريقة الشاذلية‪ ،‬وتعد‬
                                ‫الذكوري‪.‬‬
   ‫يغذي كامل اللبان الفضول لدي زميله علي‬                  ‫الطريقة الحمدوشية واحدة منها‪،‬‬
‫الشريف‪ ،‬ويتحول إلى هوس لخوض التجربة‪،‬‬
   ‫ولم لا وهو دائم السمع لعبارات وتراكيب‬             ‫أسست على يد علي بن حمدوش‪ ،‬حيث‬

      ‫لغوية غربية‪ ،‬تختلط فيها آيات قرآنية‪،‬‬          ‫وضع اللبنات الأولى للطريقة بعدما بنى‬
 ‫وأدعية‪ ،‬وأصوات مدغمة‪ ،‬وممارسات شاذة‬
                                                        ‫زاويته بقرية بني راشد من ضواحي‬
                                 ‫لم يألفها‪.‬‬
               ‫هل تواطأ ضده كامل اللبان؟‬                ‫مدينة مكناس‪ ،‬وأخذ العهد على يد‬
 ‫لقد أقسم كل مريد ألا يبوح بسره‪ ،‬لذلك فقد‬
    ‫كتم فعلته معه‪ ،‬وإن تكرر متى أراد‪ ،‬حين‬                                ‫شيخه عباس العمرى‬
 ‫تنطفئ جمرات المبخرة‪ ،‬ويزال الغمام‪ .‬يبصر‬
 ‫الشيخ بين يديه‪ ،‬يلتفت برأسه وينظر إليه بانتشاء‬      ‫جلست تبكيه‪ ،‬وفي نهاية الأمر تلبستها قوى خارقة‬
    ‫وثناء‪ ،‬جمع ملابسه المنثورة‪ ،‬ارتداها وانسحب‬           ‫سخرتها في علاج الأمراض الجسدية والنفسية‬
    ‫للوراء‪ ،‬طالبًا منه الإذن بالانصراف‪ ،‬أتاه صوته‬          ‫ومس الجن وشر العين وطرد النحس وجلب‬
      ‫وهو يغلق الباب وراءه‪ :‬لقد اجتزت الاختيار‪.‬‬
‫يرى علي الشريف أنه دخل عوالم مجهولة‪ ،‬وغريبة‪،‬‬        ‫الحبيب وتزويج الفتيات والعوانس‪ ،‬هكذا انتهي أمر‬
 ‫وتعرف إلى بشر يسروا له أمور حياته‪ ،‬وساعدوه‬                                                 ‫الطريقة!‬

                     ‫على ارتقاء السلم الاجتماعي‪.‬‬       ‫هذه هي بداية الحكاية‪ .‬أما الخطاب الروائي فيبدأ‬
  ‫تمثل زهرة دلالة رمزية‪ ،‬فهي تعاني ‪-‬كفتاة‪ -‬من‬        ‫من مصر بعد نزوح الشيخ صفوان الذي سنتعرف‬
                                                     ‫على حياته منذ كان طف ًل صغي ًرا‪ ،‬حيث فقد أمه‪ ،‬ثم‬
      ‫آلام جسدية واغتراب وعدم تواؤم نفسي مع‬          ‫أخته الصغيرة‪ ،‬بعد تعرض البلاد لمجاعة‪ ،‬رحل إلى‬
    ‫المحيطين بها نتيجة أزمة عاطفية‪ ،‬لا يفلح العلم‬
   ‫‪-‬ممث ًل في الأطباء والعقاقير‪ -‬في علاجها‪ ،‬فتلجأ‬                     ‫بلاد الجزائر ثم استقر في مصر‪.‬‬
                                                          ‫نحن نتعرف أي ًضا على طقوس تحول الإنسان‬
       ‫إلى زاوية الشيخ‪ ،‬بحثًا عن حل لأزمتها‪ ،‬لكن‬      ‫العادي إلى مريد‪ ،‬ثم كيف يصبح شي ًخا له طريقته‬
  ‫الشخصية تتحول إلى محرض ومحرك للجماهير‬               ‫ومريدوه‪ ،‬كل ذلك لنصل إلى شيخ الزاوية «الشيخ‬

    ‫ضد الزاوية وشيخها‪ ،‬وما يحدث فيها‪ ،‬تتحول‬                                           ‫علي الشريف»‪.‬‬
 ‫الفتاة إلى شخصية ملحمية تحرك الجماهير‪ ،‬بينما‬        ‫تتشكل الرواية من عدد من الفقرات‪ ،‬تفصلها ثلاث‬
                                                    ‫نجوم بلغت أربعة وعشرون فص ًل جاءت متتالية لا‬
   ‫تظل سالمة دائرة في فلك الشيخ‪ ،‬إذا تمردت عليه‬     ‫فاصل بينها ولا عناوين لها‪ ،‬فقط نقلات سردية تتم‬
    ‫فهو تمرد فردي‪ /‬ذاتي‪ ،‬يمثل نكو ًصا غير قابل‬       ‫عبر را ٍو عليم‪ ،‬يبدو في البداية الطالب علي الشريف‬
  ‫للتحول الايجابي الذي مارسته زهرة‪ ،‬فإذا أضفنا‬         ‫زميل كامل اللبان السالك في طريق صوفية‪ ،‬وهو‬
  ‫زمن هذا التمرد والتحول‪ ،‬أدركنا أن الكاتب جعل‬
 ‫زهرة رم ًزا وطنيًّا في لحظة تاريخية حبلي بالتحول‬       ‫المحرض للانضمام علي للطريقة‪ ،‬ومقابلة الشيخ‬
                                                                                   ‫صفوان في خلوته‪.‬‬
                                ‫وإحداث التغيير‪.‬‬
     ‫يبدو للوهلة الأولي أن الرواية تتبني هذا الفكر‬
   35   36   37   38   39   40   41   42   43   44   45