Page 45 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 45

‫تمارس آمال بشيري السرد الروائي في هذه‬                             ‫ومالكه يتوصلان إلى الفتاة التي كانت تعمل‬
                                                                    ‫كعاهرة لدى الشولو رامون الذي اشتراها‬
    ‫الرواية بانغماس كامل في الحدث حتى‬
                                                                  ‫من داني تاجر المتا‪ ،‬وحينما يراها العجوز لا‬
‫لكأنها قد باتت شخصية روائية داخله أي ًضا‪،‬‬                         ‫يصدق هيئتها الجديدة التي يراها فيها؛ ومن‬

‫وهو ما يمنح العمل الكثير من الصدق الذي‬                             ‫ثم يصاب بأزمة لفقدانه الفتاة البرئية التي‬
                                                                   ‫كان يعشقها ويموت أمامها‪ ،‬أي أنه قد مات‬
 ‫لا بد أن يؤمن به ال ُمتلقي‪ .‬هذا الصدق هو‬                          ‫عش ًقا بالفعل لتصدق نبوءة العراف الهندي‬

    ‫ما يجعل ماركيز في الرواية يلتبس عليه‬                                                  ‫على ظهر السفينة‪.‬‬
                                                                      ‫تحرص بشيري على وصف حال الرجل‬
   ‫الأمر؛ فيخلط بين أعماله الروائية وما يراه‬                       ‫التسعيني ‪-‬الذي اعتاد وجود الفتاة‪ -‬بعدما‬
                                                                      ‫هجرت النص فجأة وهربت‪ ،‬وهو الحال‬
     ‫يدور أمامه على أرض الواقع لشخصياته‬                            ‫الذي أحال حياته إلى جحيم حقيقي يكاد أن‬
                                                                 ‫يمزقه بقولها‪« :‬لم يعد يحتمل غياب الصغيرة‬
‫الروائية التي خرجت من نصوصها ُممثلة في‬                               ‫ديلغدينا غير المفهوم بالنسبة له‪ ،‬بحث في‬
                                                                    ‫الحانات النهرية عمن تركته فجأة‪ ،‬تألم في‬
                        ‫الرجل العجوز العاشق‬                           ‫صمت‪ ،‬أغرقه في مرارة عمره التسعيني‪،‬‬
                                                                   ‫وفي وحدته التي أصبحت بعدما عرفها عبئًا‬
                                                ‫يديه‪.‬‬           ‫لا ُيطاق‪ ،‬إنه الصمت المُطبق الذي يخنق روحه‪،‬‬
          ‫إن هذا المأزق الواقع فيه الرجل التسعيني‪ ،‬وهو‬      ‫ويرجعه إلى السنوات الخوالي التي عرف خلالها ما‬
          ‫مأزق وجودي في حقيقته‪ ،‬يرغمه على التواصل‬           ‫يزيد عن ‪ 500‬امرأة‪ ،‬نساء من كل لون‪ ،‬وبقصص‬
        ‫مع ماركيز‪ /‬كاتب الرواية الذي خلقه هو وجميع‬          ‫كلها ُمتشابهة في مساراتها‪ ،‬لكنها شديدة الاختلاف‬
        ‫الشخصيات الأخرى؛ ومن ثم تنشأ بينهما العديد‬               ‫في تفاصيلها الصغيرة‪ .‬كان يفكر في الاتصال‬
        ‫من النقاشات والصراعات والاختلافات؛ فماركيز‬           ‫بغابرييل لكي يبلغه بقراره حينما اسودت السماء‪،‬‬
        ‫هو خالق العمل في الأساس‪ ،‬وبالتالي لا بد له من‬            ‫وبدأ المطر ينهمر بعنف‪ .‬مطر حفز الحسرة في‬
          ‫تحمل المسؤولية عن هذا المأزق الذي وضع فيه‬           ‫روحه‪ ،‬لم يعد سقف البيت يحتمل مياها أكثر ولا‬
       ‫شخصياته‪ ،‬وعليه أن يصحح ما حدث؛ لذلك نقرأ‪:‬‬               ‫سنوات أكثر‪ ،‬شعر باقتراب النهاية‪ ،‬نهاية قصة‬
                                                               ‫ُكتبت على ورق‪ ،‬وأدخلته جحيم العشق دون أي‬
            ‫«اجتاز غرفة المعيشة بخفة لكي يرفع سماعة‬         ‫إرادة منه‪ ،‬شعر بالانهيار‪ ،‬فهو لا يريد ديلغدينا من‬
            ‫الهاتف وقلبه يكاد يخترق قفص صدره‪ ،‬أدار‬            ‫أجله‪ ،‬وإنما من أجل سنواته التسعين‪ ،‬ومن أجل‬
     ‫الأرقام التي حفظها فقط لأهمية صاحبها‪ ،‬وتسمرت‬          ‫وحدته المُميتة‪ ،‬بكل صراحة كان يريدها أن تعود من‬
        ‫أذناه وراء السماعة حتى جاءه صوت مبحوح من‬
     ‫الطرف الآخر‪ :‬ألو‪ ،‬غابرييل؟ اسمع‪ ،‬أنت من ورطني‬                                        ‫أجل الحياة فقط»‪.‬‬
         ‫في قصتك التي لا ُتناسب مقامي‪ ،‬ولا سني‪ ،‬ولا‬            ‫لعل هذا الاقتباس يوضح لنا مدى اعتياد الرجل‬
      ‫حتى قدرتي على الحياة‪ ،‬وأنت من سيحل ُمشكلتي‪.‬‬
       ‫جاءه صوت غابرييل هاد ًئا و ُمتعاط ًفا‪ :‬ما بك؟ اهدأ‬        ‫التسعيني على الحياة مع الفتاة الصغيرة التي‬
      ‫وسوف أعيد إليك ديلغدينا‪ ،‬أكتب حاليًا ن ًّصا جدي ًدا‬    ‫عشقها حتى أنه يشعر بأن حياته تكاد أن تنسرب‬
       ‫من أجلك‪ ،‬نص ستعشقك فيه ديلغدينا‪ ،‬ولن تتركك‬             ‫من بين يديه لمُجرد غيابها وهروبها منه إلى جهة‬
         ‫للأبد‪ .‬شعر العجوز بمرارة الاستهزاء‪ ،‬وفهم أن‬         ‫غير معلومة‪ ،‬أي أن حياته قد باتت جحي ًما حقيقيًّا‬
        ‫غابرييل يجاريه في خبله‪ ،‬فرد‪ :‬لست مجنو ًنا لكي‬
                                                               ‫من دونها‪ ،‬وهو ما يحرك إرادته من أجل البحث‬
                                                             ‫عنها والعثور عليها‪ ،‬لأن ُمجرد العثور عليها يعني‬
                                                              ‫الحفاظ على حياته التي يشعرها تنسرب من بين‬
   40   41   42   43   44   45   46   47   48   49   50