Page 47 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 47
45 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
هو مانويلا ،كما أخبره بأنها قد هربت إلى بلاد جابرييل جارثيا ماركيز
العرب مع داني تاجر المتا؛ لذا نرى هنا صرا ًعا
حقيقيًّا هذه المرة بين كل من ماركيز كمؤلف،
والرجل العاشق كشخصية؛ لأن ماركيز لم يطلق
عليها يو ًما اسم مانويلا ،ورأى أن هذا بمثابة
التدخل من شخصياته في نصه الذي خلقه ،أي أننا
هنا أمام شخصيات بدأت تكتسب استقلاليتها في
حياتها حتى أنها بدأت ُتطلق على نفسها ما يحلو
لها من الأسماء بعي ًدا عن وصاية الكاتب الذي
ابتدعها أو أوجدها ،وهو من المواقف التي لا بد أن
تجعل أي كاتب في ثورة وغضب عا ٍت إذا ما حاولت
شخصياته استقلالها عنه لتتصرف كيفما يحلو لها؛
لذلك نقرأ« :قفز ثانية نحو سماعة الهاتف واتصل
بغابرييل :ألو غابرييل ،أنا العجوز العاشق .رد عليه
غابرييل بملل وقلة تقدير .بلعهما وحاول أن يكلمه
ب ُحسن النوايا التي دو ًما ما ُتثمر نتائج حسنة :لقد
عرفت أين ذهبت الصغيرة ديلغدينا ،أقصد مانويلا.
رد عليه غابرييل باستغراب :ومن تكون مانويلا
هذه؟ فأنا لا أعرفها ،فهي ليست في النص معك.
قاطعه العجوز ،وشعر هذه المرة بأنه يتفوق على
غابرييل لأنه يعرف السر الذي يجهله هذا الأخير:
اسمع يا غابرييل ،لقد أسميتها ،أو بالأحرى ،أنا
أسميت الصغيرة باسم ديلغدينا؛ لأنه لم تكن
لدي الفرصة لأكلمها وأسألها عن اسمها ولو مرة
واحدة ،لكنني عرفت ُمؤخ ًرا أن اسمها الحقيقي
هو مانويلا .اشمأز غابرييل من هذا التدخل الوقح
في نصه ،ورد عليه بجفاء ُمحذ ًرا إياه :أنا لا أقبل
بمثل هذه الأسماء للشخوص الذين أصنعهم في
رواياتي ،ولهذا فأنا لا أعترف إلا بوجود ديلغدينا.
شعر العجوز بأنه دخل مع غابرييل في ُمنافسة
عنيدة لا فائدة منها ،لهذا قال بهدوء :يا غابرييل لا
أريد أن أحملك أي مسؤولية ،لكن في نهاية الأمر
أنت من أدخلتني في النص ،وجعلتني أعشق تلك
الصغيرة وأنا في سني هذه ،أنت تفهم ماذا أريد أن
أقول .قاطعه غابرييل هذه المرة وهو يتأفف منه:
صحيح أنني أدخلتك النص دون أن تعلم ،لكنك
أحببت الصغيرة بملء إرادتك ،كان لك أن تتعامل
معها مثلما كنت تفعل مع بنات الحانات من قبل.
انتفض قلب العجوز من الخوف بسبب الحقائق