Page 51 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 51

‫‪49‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫رؤى نقدية‬

‫بالذعر حينما افترض لو يأتيه العجوز تما ًما في هذه‬       ‫يحكي لها قصته مع الصغيرة ديلغدينا‪ ،‬ويشرح لها‬
 ‫اللحظة ويطالبه بإعادة خوانيتا إلى النص لكي تحيا‬         ‫السبب الحقيقي لسفره‪ ،‬لكن العجوز الهندي مر به‬
‫من جديد وتكمل رحلتها إلى بلاد العرب‪ .‬شعر بثقل‬
 ‫يضغط على صدغيه‪ ،‬أجهش بالبكاء وهو يعد نفسه‬                 ‫مرة أخرى وهمس في أذنه بصوت خفيض يشبه‬
                                                         ‫صوت الموتى‪ :‬إنها لن تصل إلى البر‪ .‬حاول العجوز‬
   ‫بإعادة الصغيرة ديلغدينا إلى النص لكي لا يموت‬
 ‫العجوز ُحبًّا»‪ .‬إن هذا التداخل والتماهي الكامل بين‬         ‫أن يمسك بيد الهندي‪ ،‬لكنه أفلت منه كذلك هذه‬
                                                                              ‫المرة‪ ،‬وتوارى عن الأنظار»‪.‬‬
    ‫ما هو واقعي‪ ،‬وما هو خيالي يمنح العمل الكثير‬
     ‫من الحيوية‪ ،‬لا سيما أن حيلة بشيري في ختام‬              ‫إن حرص بشيري هنا على سوق النبوءة الثانية‬
  ‫الاقتباس السابق حينما تكتب‪« :‬شعر بثقل يضغط‬            ‫كانت من قبيل التأكيد للقارئ على أن العراف الهندي‬
  ‫على صدغيه‪ ،‬أجهش بالبكاء وهو يعد نفسه بإعادة‬
  ‫الصغيرة ديلغدينا إلى النص لكي لا يموت العجوز‬               ‫صادق فيما يذهب إليه من نبوءات يوزعها هنا‬
    ‫ُحبًّا» بالتأكيد ستمنح المُتلقي الأمل في ألا تتحقق‬   ‫وهناك‪ ،‬لا سيما أن ثمة حمى تنتشر بين المُسافرين‬
                                                        ‫على ظهر السفينة وتموت الفتاة بالفعل قبل الوصول‬
          ‫نبوءة العراف الهندي بموت العجوز ُحبًّا‪.‬‬         ‫إلى اليابسة‪ ،‬أي أن نبوءات العراف الهندي صائبة؛‬
  ‫الانهيار الحادث بين ما هو واقعي‪ ،‬وما هو خيالي‬
                                                           ‫وبالتالي فنبوءته تجاه العجوز العاشق لا بد أنها‬
     ‫نراه مرة أخيرة في موقف شديد الأهمية لفنيته‬             ‫ستحدث‪ ،‬لكننا لا نعرف كيفية حدوثها‪ ،‬وهو ما‬
       ‫حينما نقرأ‪« :‬تأمل شكله المُتعب وبريق عينيه‬         ‫سيرغب القارئ في تتبعه لمعرفة كيف سيتم الأمر‪.‬‬
                                                        ‫هنا تكون الكاتبة قد نجحت في امتلاك انتباه القارئ‬
‫الخائفتين من الانكسارات التي قد يعانيها من جراء‬
‫فشله المُحتمل في العثور على ديلغدينا وإنقاذ العجوز‬                       ‫معها حتى نهاية سردها الروائي‪.‬‬
                                                        ‫تمارس آمال بشيري السرد الروائي في هذه الرواية‬
     ‫من الموت‪ .‬أخذ يفكر في مصير كل الشخصيات‬
    ‫الورقية التي رسمها في كتبه‪ ،‬و ُذعر لمُجرد شكه‬            ‫بانغماس كامل في الحدث حتى لكأنها قد باتت‬
  ‫في أنها هي أي ًضا عرفت الحياة‪ ،‬وأكملت مصائرها‬           ‫شخصية روائية داخله أي ًضا‪ ،‬وهو ما يمنح العمل‬
 ‫خارج نصوصه‪ .‬العشق والجسد والدهشة‪ .‬هذا كل‬                  ‫الكثير من الصدق الذي لا بد أن يؤمن به المُتلقي‪.‬‬
  ‫ما لقنه إياها بغض النظر عن نواياه الحسنة وعن‬           ‫هذا الصدق هو ما يجعل ماركيز في الرواية يلتبس‬
     ‫مصائرها المُخيبة للآمال‪ .‬قفز قلبه بين ضلوعه‬
    ‫حينما تذكر أن بلاد العرب لا تحتمل الخطأ فيما‬            ‫عليه الأمر؛ فيخلط بين أعماله الروائية وما يراه‬
     ‫يتعلق بالحلم والدهشة‪ ،‬وأن كل من يخرج من‬              ‫يدور أمامه على أرض الواقع لشخصياته الروائية‬
  ‫نصوصه ويتوه فيها سيكون مصيره الحتمي هو‬                 ‫التي خرجت من نصوصها ُممثلة في الرجل العجوز‬
‫الفناء»‪ ،‬هنا يكون ماركيز قد بدأ في تحمل مسؤوليته‬            ‫العاشق؛ لذلك نرى ماركيز لا يكاد أن يصدق ما‬
 ‫الأخلاقية تجاه شخصياته الروائية وبدأ يفكر فيها‬            ‫يدور أمامه بالفعل مما يؤدي إلى اضطرابه حينما‬
 ‫بعدما كان يعطيها ظهره ويتناساها مثله مثل غيره‬            ‫نقرأ بعد موت خوانيتا ومحاولة العجوز تجهيزها‪:‬‬
 ‫من الروائيين بعدما تمنحه هذه الشخصيات الكثير‬               ‫«وقف غابرييل مشدو ًها عند عتبة الباب‪ .‬لم يكد‬
                                                        ‫يصدق ما كان يراه‪ .‬كانت خوانيتا أنيقة‪ ،‬تبدو نائمة‬
                                     ‫من النجاح‪.‬‬
‫ثمة استخدام لما ُنطلق عليه في السينما تقنية المُونتاج‬       ‫بهدوء‪ ،‬وهي ترى أحلا ًما جميلة‪ ،‬شعر بإعجاب‬
                                                             ‫شديد نحو العجوز‪ ،‬وفكر أنه فع ًل عاشق يتقن‬
   ‫المتوازي ‪ Cross Cutting‬في رواية «آخر الكلام»‬         ‫ال ُحب أكثر من أي رجل قابله في حياته‪ ،‬نظر إليه هذا‬
‫للروائية الجزائرية آمال بشيري‪ ،‬وسواء استخدمت‬               ‫الأخير وقال له بحسرة‪ :‬إنها جميلة‪ ،‬أليس كذلك؟‬
 ‫الروائية هذه التقنية في روايتها عن إدراك وعمدية‪،‬‬        ‫هز غابرييل رأسه وخرج ُمسر ًعا خو ًفا من أن يرى‬
  ‫أو انها جاءت معها بالمُصادفة إلا أنها أفادت النص‬      ‫العجوز دموعه‪ ،‬وأطرق يفكر‪ ،‬كان يحاول أن يتذكر‬
                                                            ‫من تشبه خوانيتا في موتها‪ ،‬جزع حينما تهيأ له‬
   ‫بإدخالها إليه كثي ًرا حينما وصل ماركيز والرجل‬            ‫أنها قد تكون هي أي ًضا إحدى شخوص رواياته‬
  ‫العجوز إلى بلاد العرب‪ ،‬وخرج كل منهما من دون‬              ‫التي نسيها‪ .‬لم تعجبه نهايتها غير المُقنعة‪ ،‬أصيب‬
   46   47   48   49   50   51   52   53   54   55   56